حرب القراصنه

منتدى تشويقي لقتالات وتقارير والعاب ومانجا وانمي ون بيس .. ادخل .. سجل .. شارك .. ابدع فانت في حرب القراصنه
 
اليوميةالرئيسيةالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولس .و .جبحـث

شاطر | 
 

 الدولة العباسية تابع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ÂØҚĪʝĪ



الفــــاكــــهـــة : بدون فاكهة
عدد المساهمات : 22
المعرفة : 1314
تاريخ التسجيل : 24/08/2014

مُساهمةموضوع: الدولة العباسية تابع   الأحد أغسطس 31, 2014 6:15 am

الخارجية، فتتمثل بغارات الإمبراطورية البيزنطية على حلب وأنطاكية واحتلالهما قسطًا من الزمن، بنتيجة تشقق الوضع الداخلي.[40]
العصر العباسي الثالث: عصر آل سلجوق[عدل]
السلطنة السلجوقية في أوجها (1055 - 1092)[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: الدولة السلجوقية

رسم للسلطان السلجوقي ألب أرسلان، الذي بلغت الدولة في عهده أوجها.
وفق أكثر النظريات انتشارًا، فإن السلاجقة هم جمهرة من القبائل التركية الرحل المحاربة، كانت تستقر في الصين وانتقلت منها إلى بخارى حيث اعتنقت الإسلام في عهد مؤسسها سلجوق،[41] ثم استطاعت تحت زعامة طغرل بك السيطرة التدريجية على أملاك الدولة الغزنوية ثم الدخول إلى بغداد بناءً على طلب الخليفة، الذي عين طغرل بك سلطانًا وخطب باسمه في 15 ديسمبر سنة 1055م، الموافق فيه 22 رمضان سنة 447هـ، ولقبه «بملك المشرق والمغرب» وزوجه ابنته.[42]
وإثر وفاته عام 1063م، كان طغرل بك قد حقق استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا في الأوضاع، وقد خلفه ألب أرسلان الذي امتد حكمه حتى القدس واستطاع عقب انتصاره في معركة ملاذكرد تأسيس دولة سلجوقية في الأناضول هي الأولى من نوعها؛[43] غير أنه قتل في إحدى معاركه عام 1064م وتلاه ابنه جلال الدولة ملكشاه، الذي شهدت سلطنته وفاة الخليفة القائم بأمر الله بعد خلافة استمرت خمسة وأربعين عامًا تعكس الاستقرار وتحسن الأوضاع المعيشية، وبويع المقتدي بأمر الله بالخلافة. وقد اهتم ملكشاه بالعلوم والفنون وشيّد في بغداد مرصدًا فلكيًا ومسجدًا كبيرًا دعي «جامع السلطان»،[44] وقد برز في عهده أيضًا عمر الخيام وثار القرامطة في البصرة عدة مرات، وبوفاته عام 1092م أخذت الدولة السلجوقية بفقدان قوتها، إذ تفرقت إلى عدة عدة دول مستقلة في بلاد الشام والعراق وبلاد فارس وغيرها، بل تحولت الساحة إلى دسائس وتحالفات بين الملوك السلاجقة ضد بعضهم البعض بهدف توسيع إمارتهم.
لا شكّ أن تكلفة هذه الحروب الداخلية المستمرة، لم تؤثر فقط على الاستقرار الاجتماعي في البلاد، بل على الوضع الاقتصادي أيضًا بسبب كلفتها الباهظة، ما سهّل تحقيق انتصار الحملة الصليبية الأولى عام 1098م، وكان المستظهر بالله حينها يشغل منصب الخليفة منذ عام 1094م.[45]
حروب السلاجقة وغروب دولهم (1092 - 1136)[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالات مفصلة: حملات صليبية زنكيون

ملك القدس بالدوين الأول يدخل الرها في فبراير 1098.
استطاعت الحملة الصليبية الأولى تأسيس أربعة ممالك لاتينية في المشرق، هي إمارة الرها وإمارة أنطاكية وإمارة طرابلس ومملكة بيت المقدس، التي كانت تحت سلطة الخلافة الفاطمية مجددًا منذ عام 1096م. لم يستطع السلاجقة ردع الصليبيين عن ساحل بلاد الشام، بيد أنهم صدّوا تقدمهم نحو أنقرة وقلب الأناضول كما أوقفوا تقدمهم تجاه حلب والعراق عمومًا. أما العراق وخلافته فكانا منشغلان بالحروب الداخلية والثورات التي يقودها القرامطة فلم يتم إعناء مقاومة الصليبيين أو ردعهم أية أهمية تذكر، وقد نقل أنه في أعقاب سقوط القدس عام 1099م زار وفد من أهالي المدينة الناجين الخليفة المستظهر بالله فاعتذر منهم مبديًا عواطفه، ثم عاد وأرسل عام 1111م جيشًا صغير الحجم بقيادة مودود بعد مضايقة الصليبيين لحلب.[46]
أواخر عهد المستظهر استقرت الأوضاع للسلطان محمد السلجوقي غير أن وفاته عام 1118م فجّرت الوضع مجددًا بين وريثه محمود السلجوقي وأخاه داود وبعض أعمامه؛ وإثر وفاة الخليفة المستظهر في أغسطس 1118م أصبح المسترشد بالله خليفة، وفي خلافته ظهر عماد الدين زنكي والي الموصل والذي وسع أملاكه ضامًا حلب وحمص، وتلاه ابنه نور الدين زنكي الذي ضم دمشق ومصر. خلال نمو الدولة الزنكية كانت حروب السلاجقة الداخلية لا تزال مستمرة فانتصر مسعود السلجوقي على ابن أخيه محمود، وقتل الخليفة المسترشد عام 1135م أثناء محاربة مسعود مدافعًا عن محمود،[47] وأصبح الراشد بالله خليفة من بعده، غير أن السلطان مسعود السلجوقي سرعان ما خلعه، فهرب الخليفة إلى أصفهان حيث قتل عام 1136م وأصبح المقتفي لأمر الله خليفة من بعده.[48]
الخلفاء يستعيدون السيطرة على بغداد (1136 - 1242)[عدل]

الجامعة المستنصرية في بغداد، والمسماة على اسم مؤسسها الخليفة المستنصر.
استطاع المقتفي لأمر الله أن يستقل بحكم بغداد وجوارها عن السلاجقة المستقلين بمحاربة بعضهم بعض، ودعم الأسرة الزنكية التي بلغت شأنًا عاليًا في محاربة الصليبيين واستطاعت استعادة الرها منهم؛ وعندما توفي عام 1170م بويع ابنه المستنجد بالله بالخلافة، فاستمر بسياسة والده الرامية إلى الحفاظ على استقلال بغداد وجوارها، وأرسى إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، وكان في خلافته أن خطب للعباسيين في مصر على يد الدولة الزنكية بعد وفاة آخر الخلفاء الفاطميين العاضد لدين الله، وبذلك توحدت الخلافة الإسلامية مجددًا؛ كما شهدت خلافته قيام السلطنة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي الذي سيطر على بلاد الشام والحجاز واليمن ومصر وليبيا، واستطاع صلاح الدين في عهد الخليفة المستضيء بأمر الله استعادة القدس وعدد آخر من المدن التي كانت واقعة تحت سيطرة الصليبيين عام 1187م في أعقاب معركة حطين، وتصدى للحملة الصليبية الثالثة.[49] وتلى المستضيء ابنه الناصر لدين الله، والذي استطاع كما فعل والده وجده، الحفاظ على الجزء الأكبر من العراق مستقلاً تحت إدارته الفعلية لا إدارة الوزراء أو الجيش، وقد دعا عدد من المؤرخين فترة هؤلاء الخلفاء الذين استقلو بالعراق اسم «فترة استعادة هيبة الخلافة»، وقد توفي الناصر لدين الله، والذي اشتهر بالحكمة والحنكة، بعد خلافة طويلة دامت خمسةً وأربعين عامًا في أكتوبر سنة 1225م.[50]
في الواقع، فإن وضع العراق خلال عهد الناصر لدين الله، كان أفضل بكثير عن سائر أمصار الدولة العباسية؛ فبعد وفاة صلاح الدين الأيوبي عام 1193م ودفنه في دمشق، اقتسم أولاده السبعة عشر سلطنته المترامية الأطراف، وكما فعل السلاجقة من قبلهم، تحارب الأمراء الأيوبيون وشكلوا أحلافًا ضد بعضهم البعض،[51] واستوردوا قبائل تركية وشركسية دعيت لاحقًا باسم المماليك؛ أما أحوال أقصى المشرق الإسلامي، كبخارى وكابُل وجوارهما، فكانت سيئة هي الأخرى، بسبب تعرضهما للغزو والتخريب من قبل المغول بقيادة جنكيز خان. على أن ما وصل من أخبار ذلك العصر في العراق وسواه، لا تفيد بأوضاع ثقافية جيدة أو دعم للعلوم والفنون من قبل الخلفاء وحاشيتهم، كما كان الحال في عصر الدولة الذهبي.
تلى الناصر ابنه الظاهر بأمر الله، لكنه توفي بعد عام واحد فقط، وصارت البيعة لابنه المستنصر بالله عام 1226م وقد أسس الجامعة المستنصرية،[52] ونقل المؤرخون أنه أسس دورًا لضيافة الفقراء وإعتاق الرقيق،[53] وفي خلافته سيطر المغول على بلاد فارس محاذين بذلك العراق.
خلافة المستعصم بالله ونهاية الدولة (1242 - 1258)[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالات مفصلة: المستعصم بالله سقوط بغداد (1258)

هولاكو يسجن الخليفة ويمنع عنه الطعام والشراب حتى موته في 20 فبراير سنة 1258م، وقد ترك هولاكو للخليفة صحون وأكواب الذهب التي كان يأكل بها فارغة أمامه في السجن.
توفي المستنصر في ديسمبر من سنة 1242م، وتلاه ابنه المستعصم بالله آخر العباسيين في بغداد؛ والذي شهدت خلافته نهاية محطات مهمة في تاريخ الخلافة العباسية؛ منها فشل الحملة الصليبية السابعة والثامنة وهما آخر الحملات الصليبية مما عجل في نهاية تلك الحقبة، وعمومًا فإنه باستثناء الحملة الصليبية الأولى والثالثة والرابعة التي توجهت إلى القسطنطينية لم تحقق أي حملة صليبية نصرًا هامًا وطويل الأمد في المناطق التي استولت عليها. وفي أعقاب الحملة الصليبية الثامنة، كانت أملاك الصليبيين الأساسية في المشرق تقتصر على أنطاكية وطرابلس وعكا كجزر متناثرة وغير متصلة جغرافيًا. كذلك فقد شهدت خلافته نهاية السلطنة الأيوبية عام 1250م بعد وفاة الملك الصالح أيوب واستلام شجرة الدر السلطنة مكانه ثمانين يومًا ليقوم جند زوجها بخلعها والسيطرة على الحكم بانقلاب سلمي. انتخب إثره عز الدين أيبك سلطانًا.[54]

مخطوطة تصور الحصار المغولي لبغداد عام 1258، قبل اقتحامها في 10 فبراير سنة 1258م، ويظهر في الصورة نهر دجلة.
أما الحدث الثالث، فتمثل بسقوط بغداد حاضرة الخلافة على يد المغول بقيادة هولاكو خان التتري، حيث سار هولاكو على رأس جيش ضخم بأمر من إمبراطور المغول منكو خان الذي أمر ان يخرج معه كل ذكر قادر على حمل السلاح في الإمبراطورية، ثم انضم للجيش قبائل أرمنية وجورجية وتركية وفارسية.[55][56] ويرى المؤرخ آلان دمورجيه أن الجيش الصليبي المرابط في أنطاكية وطرابلس كان أيضًا من المشاركين في الهجوم.[57]
طالب هولاكو الخليفة المستعصم بالله بالاستسلام، ولكن الخليفة رفض محذرًا المغول من العقاب الألهي الذي سيحلّ بهم في حال هاجموا الخلافة؛ يشير الكثير من المؤرخين بأن أحد أسباب نجاح الهجوم المغولي هو حالة الجيش العباسي الضعيفة وتسريح عدد كبير من جنده لتقليص النفقات خلال تولي ابن العلقمي شؤون الوزارة، فضلاً عن ضعف استحكامات المدينة وعدم تقوية أسوارها؛ يقول ديفيد نيكول بأن الخليفة بالإضافة لفشله بتجهيز آلية الدفاع عن المدينة بشكل جيد، فقد أساء كثيرًا لهولاكو بتهديده إياه، إضافة إلى وثوقه المبالغ فيه لوزيره ابن العلقمي، ما ساهم على تدمير المدينة والخلافة، مع أن مونكو خان أمر أخاه هولاكو بالمحافظة على الخلافة إن وافق الخليفة الخضوع لسلطة المغول.[58]
قبل التوجه إلى بغداد، دمر هولاكو قبائل اللور ومن ثم حصّل استسلام الإسماعيليين والمعروفين أيضًا باسم الحشاشين بعد أن حاصر حاضرتهم قلعة ألموت في شمال إيران على شواطئ بحر قزوين، ورغم ذلك فقد قتل هولاكو الكثير منهم باستثناء نصير الدين الطوسي وأتباعه والذين لحقوا بجيش هولاكو المتوجه لمحاصرة بغداد منذ عام 1256م. قسم هولاكو جيشه إلى قسمين، وضرب حصارًا حول بغداد بدءًا من يوم 29 يناير سنة 1258م؛ دمر المغول السدود وقنوات الري ما ساهم في تدمير الزراعة وإفاضة المياه داخل المدينة، ثم إن قصف المقالع والمناجيق سهلت سقوط استحكامات العباسيين الواحدة تلو الأخرى حتى أحاط المغول بالمدينة من كل جانب يوم 5 فبراير 1258م / 30 محرم 656هـ؛ حاول المستعصم أن يفاوض المحاصرين لكن هولاكو رفض، واقتحم بغداد يوم 10 فبراير 1258 م / 4 صفر 656هـ، مرتكبين مذابحًا بحق أبنائها، وبحسب بعض المصادر بلغ عدد القتلى من الجند والمدنيين مليوني شخص بل حتى من حاول من الأهالي الفرار عمد المعول إلى قتله،[59] ويذكر أن هولاكو أمر بنقل مقر المخيم بسبب روائح الموت المنبعثة؛ كما بدؤوا عمليات سلب ونهب ثم إحراق، فتلفت المكتبات وما تحويها وقيل أن مياه نهر دجلة تحولت إلى اللون الأسود لكثرة ما رمي فيها من أوراق محترقة،[60] وكذلك حال المساجد والقصور والجامعات.[61] أما الخليفة فقد أمر هولاكو بحبسه ثم منع عنه الطعام والشراب حتى مات في 20 فبراير 1258م، لتزول بذلك الخلافة العباسية في بغداد.[62]
العصر العباسي الرابع: السلطنة المملوكية[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: مماليك
الخلافة العباسية في القاهرة (1261 - 1517)[عدل]
بسم الله الرحمن الرحيم
Allah1.png
هذه المقالة جزء من سلسلة:
الإسلام
العقائد في الإسلام[أخف]
أركان الإسلام[أخف]
مصادر التشريع الإسلامي[أخف]
شخصيات محورية[أخف]
الفرق[أخف]
التاريخ والجغرافيا[أخف]
أعياد ومُناسبات[أخف]
الإسلام في العالم[أخف]
انظر أيضًا[أخف]

مسجد مملوكي في القاهرة التي احتضنت الخلافة العباسية بعد اندثارها في بغداد.
المماليك في العربية هم من سبوا دون أبائهم أو أماتهم، وكان المصدر الرئيسي لاستيرادهم هو الأسر في الحروب أو الشراء في أسواق النخاسة؛[63] وكانت فكرة تجنيد العبيد قد بدأت منذ عهد المأمون وأصبحت في عهود ضعف الدولة العباسية القوام الوحيد للجيش والمنبع الأساسي للسلطة؛ أما مماليك مصر فقد تمّ استقدامهم على يد السلاطين الأيوبيين وهم في الغالب شراكسة بيض، يتم تعليمهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن وفنون القتال منذ الصغر. تولى المماليك حكم مصر عام 1250 بعد انقراض السلطنة الأيوبية،[64] ولم يعتمدوا في كثير الأحيان، نظام الحكم الوراثي بل نظام التوافق من ناحية والانقلابات بين زعماء الكتائب من ناحية ثانية، وقد توالى واحدًا وأربعين سلطانًا مملوكيًا في ستة وأربعين ولاية، إذ إن عددًا من السلاطين قد خلعوا ثم عادوا إلى عروشهم؛ وقد قضى ثمانية وعشرين سلطانًا منهم اغتيالاً على يد المماليك أنفسهم، ما يعكس التنافس نحو السلطة وفقدان الاستقرار السياسي في طبقتهم، خصوصًا إثر فقدان الشرق موقعه كصلة وصل بين آسيا وأوروبا في أعقاب اكتشاف رأس الرجاء الصالح وعصر الاكتشافات والفتوح الأوروبية للعالم الجديد.[65]

خلفاء قريش من راشدين وأمويين وعباسيين.
رغم ذلك، فقد كان للماليك دور بارز في حماية المشرق خلال بداية عهدهم؛ فبعد أن اجتاح هولاكو بغداد وأسقط خلافتها، اتجه بجيوشه نحو بلاد الشام فاحتلّ نصيبين ثم الرها فحلب ناشرًا من الويلات ما حلّ ببغداد خلال اجتياحه لها.[66] خلال هذه الأثناء خلع سيف الدين قطز السلطان نور الدين علي بن أيبك وقلّد نفسه شؤون السلطنة، ثم حشد الجيش وخرج به من مصر نحو بلاد الشام، حيث كان هولاكو بعد أن دمر حلب قد أحرق دمشق، وقد التقى الجيشان في معركة عين جالوت في الجليل عام 1261 كانت الغلبة في هذه المعركة الفاصلة للمماليك،[67] فأمنت مصر شرّ المغول ووطد المماليك أقدامهم فيها ثم استطاعوا السيطرة على بلاد الشام والحجاز واليمن، مؤسسين بذلك سلطنة واسعة المساحة.[68]
توفي قطز على طريق العودة إلى مصر وأصبح الظاهر بيبرس سلطانًا من بعده؛ كان بيبرس ناجحًا في معاركه مع الصليبيين ففتح يافا وأنطاكية والقلاع المحيطة بها والتي بقيت عصيّة على الفتح حتى سنة 1268.[69]
كان قد مضى ثلاث سنوات والعالم الإسلامي دون خليفة، وكانت تلك أطول فترة شغور منذ تأسيس الخلافة في القرن السابع؛ على الرغم من أن السلطان الأيوبي في دمشق قد بايع أبا العباس أحمد خليفة ليضفي الشرعية على سلطنته ويجابه المماليك ذوي القوة المتصاعدة في مصر. وعندما سيطر قطز على دمشق في أعقاب معركة عين جالوت أراد خليفتها التوجه إلى القاهرة لكنه عدل عن رأيه واتجه إلى حلب التي كانت لا تزال تحت حكم الأيوبيين، حيث بايعه أميرها ولقبه الحاكم بأمر الله. غير أن شهرة هذا الخليفة كانت محدودة فلم يخطب له خارج إمارة حلب على عكس سائر الخلفاء حتى عندما لم تكن لهم أي سلطة، فالخطبة في صلاة الجمعة تعتبر هامة للخليفة، ولذلك فقد عمد أغلب الباحثين إلى إسقاط خليفة حلب من قائمة الخلفاء، واعتبار هذه محاولة إحياء الخلافة. غير أن المحاولة الناجحة كانت على يد الظاهر بيبرس عام 1262، فبعد أن أفاده وزراءه وصول الأمير أحمد بن الخليفة الظاهر بأمر الله، عقد بيبرس حفلاً حضره رجال الدولة والشرع أثبت خلاله صحة نسب الأمير ثم تمت مبايعته بالخلافة رسميًا ولقب المستنصر بالله، وأمر بأن يضرب اسمه على النقد ويذكر في خطبة الجمعة.[70]
طلب بيبرس من الخليفة أن يكتب له تفويضًا مطلق الصلاحية في إدارة الدولة وتسيير شؤونها، ومنحه الخليفة هذا التفويض الذي لم يترك له أية صلاحية، واقتصار دوره كرمز للدولة ومصدر شرعيتها.[71] نصّ التفويض أيضًا على أن تعمل الدولة على استعادة بغداد وإعادة كرسي الخلافة إليها، وهو ما تمّ فعلاً عندما خرج الخليفة بنفسه على رأس جيش نحو العراق، إلا أنه قتل في إحدى المعارك مع المغول قبل بلوغه بغداد بعد خلافة قصيرة دامت بضع شهور فحسب؛ ويرى عدد من المؤرخين أن الخليفة الجديد لم يكن راضيًا عن نزوله لبيبرس بالسلطة، وأنه كان يطمح من خلال قيادته الجيش إلى الاطلاع بدور سياسي مستقبلاً. أما في القاهرة فقد بويع الحاكم بأمر الله الثاني بالخلافة ومكث بها ثلاثة عقود.
عمومًا فإن الدولة العباسية بمعنى الدولة قد سقطت مع سقوط بغداد عام 1258، أما الخلافة العباسية فقد استمرت حتى 1517 كرمز للدولة ودورها الديني في كنف الدولة المملوكية؛ ولم تسقط الخلافة العباسية إلا بعد سقوط الدولة المملوكية، ففي أعقاب معركة مرج دابق التي انتصر بها السلطان سليم الأول العثماني على المماليك، توجه بجيشه نحو الجنوب، ففتح أغلب مدن بلاد الشام سلمًا ومنها انعطف نحو مصر حيث هزم آخر المماليك الأشرف طومان باي بعد معركة الريدانية قرب القاهرة، وقد اصطحب معه لدى رجوعه من القاهرة آخر الخلفاء العباسيين المتوكل على الله الثالث، والذي تنازل له عن الخلافة وسلّمه رموزها أي بردة النبي محمد وسيف عمر بن الخطاب؛[72][73] وبذلك لم تؤول الخلافة من إلى العثمانيين فحسب بل انتهى الفرع الأول من فروع الخلافة كما صنف المؤرخون وهو «الفرع العربي» أو بشكل أكثر دقة «فرع قريش»، إذ إن جميع الخلفاء السابقين سواء أكانوا من راشدين أو أمويين أو عباسيين ينتمون إلى قبيلة قريش وهي قبيلة النبي محمد، وافتتح الفرع الثاني وهو «فرع آل عثمان».
دول العباسيين بعد زوال خلافتهم (1517 - 1967)[عدل]

الأمير محمد رضا العباسي، عاشر الحكام العباسيين لإمارة البستك بين عامي 1927 و1944.
نشأت عدد من الدول التي حكمتها السلالة العباسية، بحكم موقعها ورمزيتها في العالم الإسلامي بعد زوال الدولة العباسية وفي بعض الحالات قامت الإمارات العباسية قبل زوال خلافتها وإن كان بشكل مستقل عنها، كما لم يطلب أحد من هؤلاء الأمراء الحق بالخلافة بعد زوال الخلافة العباسية نهائيًا عام 1517 أو بعد إلغاء الخلافة عام 1922. وعمومًا فإنه لا يزال إلى اليوم، يعيش في مختلف بقاع العالم الإسلامي عدد كبير من الأسر التي تعود بأصلها للأسرة العباسية، ومنها بشكل أساسي في المملكة العربية السعودية واليمن وتركيا وإيران وبلاد الشام ومصر والسودان والهند وباكستان وأفغانستان وأوزباكستان.[74] وعلى الرغم من انقراض آخر دولهم عام 1967 إلا أنه قد برز عدد من العباسيين في مواقع مؤثرة، كالرئيس السوداني عمر حسن البشير والشيخ أبو قصي ماجد العباس مؤذن المسجد الحرام في مكة وغيرهما.[75]
إمارة بهدينان: أقدم الإمارات العباسية المستقلة تأسيسًا، ويعود قيامها إلى عام 1367 في كردستان العراق على يد الملك بهاء الدين العباسي أحد أحفاد الخليفة المستعصم بالله. وكانت مدينة العمادية الواقعة في محافظة دهوك حاليًا عاصمتها وقد تمددت في أوجها لتشمل أجزاءً من محافظتي أربيل ونينوى. عاشت هذه الإمارة زمنًا طويلاً، استطاعت فيه الحفاظ على استقلالها رغم كونها تقع على حدود إمبراطوريتين عظيمتين ومتحاربتين بشكل دائم هما الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الصفوية، وعلى الرغم من ذلك فلم تكن نهايتها على يد إحدى هاتين الإمبراطورتين بل على يد إمارة كردية منافسة وقريبة ومنها هي إمارة سوران عام 1834، وسرعان ما قضى العثمانيون على هذه الإمارة أيضًا وأتبعوها لولاية الموصل العثمانية.[76] هربت الأسرة الحاكمة أحفاد المستعصم بالله إلى حلب وانتقل قسم منهم إلى جيزان واليمن، وهو مشهورون إلى اليوم بكنية "آل عاصم".[77]
إمارة الجعليين: قامت في شمال السودان المعاصر وينتسبون مباشرة إلى العباس بن عبد المطلب مباشرة، دون أن يكونوا من ذرية أحد الخلفاء العباسيين في القاهرة أو بغداد. بعد اندثار المماليك هرب قسم من العائلة المالكة إلى السودان حيث أعلنوا استقلالهم عام 1588 على يد سعيد أبو دبوس؛ وقد اتخذ الجعليون من مدينة شندي عاصمة لهم. توالى على حكم الإمارة سبعة عشر أمير عباسي إلى أن قضى عليها والي مصر محمد علي باشا خلال فتحه السودان عام 1823، موحدًا بذلك وادي النيل.[78]
مملكة بهاولبور، قامت في بلاد السند عام 1702 على يد الأمير محمد المبارك خان الأول، ويعود استقرار قبائل عباسية في الهند إلى بداية العهد العباسي وهم من المنتسبين مباشرة للعباس بن عبد المطلب دون المرور بالخلفاء؛ تميزت مملكتهم بالرفاه الاقتصادي والاهتمام بالعلوم والآداب خصوصًا العلوم الشرعية،[79] لم يتم القضاء بواسطة الحرب على هذه الإمارة، بل إنه وفي أعقاب استقلال الهند عام 1947 وتقسيمها إلى دولتين هما الهند وباكستان اختار آخر الأمراء العباسيين في بهاولبور الانضمام طوعًا إلى باكستان في 5 أكتوبر 1947.
إمارة بستك العباسية تأسست عام 1673 على يد الأمير عبد القادر بن الحسن أحد أحفاد هارون الرشيد. شملت منطقة الأهواز وضفاف الخليج العربي على الجانب الإيراني من الخليج. توالى على حكمها أحد عشر أميرًا حتى قضى عليها شاه إيران محمد رضا بهلوي عام 1967، فكانت بذلك آخر دولة حكمت من قبل السلالة العباسية. وقد انتقلت الأسرة الحاكمة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين.[80]
نظام الحكم[عدل]
الخليفة[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: خلافة

الخليفة هارون الرشيد كما رسم في كتاب ألف ليلة وليلة.
نظام الحكم في الدولة العباسية يستمد شرعيته من الإسلام ويتمثل ذلك بشخص الخليفة الذي هو وفق المعتقدات الدينية الإسلامية خليفة النبي محمد مباشرة ويحكم من خلال الشريعة التي أرساها. ينصّ النظام الإسلامي على أن يختار الخليفة من قبل وجهاء الدولة والمجتمع بطريقة تشبه الانتخاب وذلك مدى الحياة إذا التزم بالحق والعدل ولم يخن الأمانة الموكلة إليه كخليفة، غير أن هذه الطريقة لم تطبق أبدًا منذ العهد الأموي، حيث أخذ الخلفاء بتعيين ولي للعهد، بل إن بعضهم عمدوا إلى تسمية أكثر من ولي للعهد في وقت واحد ما ساهم في نشوب الصراع المسلّح بين ولاة العهد، كما حصل بين الأمين والمأمون.[81]
هناك من يشير إلى كون الخلافة منصب ديني لا دنيوي أو جامع بين الطرفين، انطلاقًا من هناك كان الخلفاء العثمانيون ينادون بصيغة "خليفة المسلمين وسلطان العثمانيين"، أي أن الخليفة هو رأس الهرم والإمام الأول دينيًا ويمكن ألا يجمع في منصبه هذا صفة الحكم.[82] غير أن عددًا آخر من الباحثين يرفضون هذه الفكرة، لكون النبي محمد قد جمع في وقت واحد بين الزعامة والسياسية. وعلى الرغم من النظريتين المتناقضتين فإن الخلفاء العباسيون قد طبقوا كلاهما، إذ قد جمعوا بين الزعامة الدينية والسياسية خلال عهودهم الذهبية، ثم عادوا في عصور الانحطاط ليشكلوا رمز الدولة فحسب بما يشبه الجمهوريات البرلمانية في العصر الراهن. ورغم كون أغلب خلفاء آل العباس سواء في بغداد أو القاهرة لم يتمتعوا بالسلطة، إلا أن عددًا منهم حاول القبض على زمامها كما فعل المتوكل على الله أو كتب بعضهم طوعًا أو كرهًا تنازلاً للسلطان عن صلاحيات الملك كما فعل المستنصر بالله الثاني،[83] ما يدل أن النظرية الثانية كانت الأكثر انتشارًا في العصر العباسي، قبل أن تكرّس النظرية الأولى خلال العهد العثماني.
أما الخليفة عندما كان ممسكًا بقبضة الحكم، فقد كان مطلق الصلاحية باستثناء الحدود والضوابط التي وضعتها الشريعة الإسلامية، وإن كان هناك تفاوت واضح في نسب الالتزام بهذه الحدود، حسب كل خليفة.[84][85]
السلاطين والولاة[عدل]
أول لقب حازه الرجل الثاني في الدولة العباسية هو "وزير"، كانت مهمة الوزير خلال عهد القوة العباسية مساعدة الخليفة في إدارة شؤون البلاد والإشراف على تنفيذ ما يقرره الخليفة فقط. لاحقًا، وبنتيجة تولي قادة الجيش الأتراك الوزارة مال ولاء الجيش من شخص الخليفة إلى شخص قائدهم الوزير، وبالتالي مال ميزان قوة التأثير من الخليفة إلى وزيره الذي أصبح لقبه السلطان،[86] وبات في بعض الأحيان يحصر مهام السلطنة بذريته فقط؛ لم يكتف السلاطين بذلك بل احتكروا السلطة فعليًا وقاموا لا الخلفاء، بتسيير شؤون البلاد والدولة، بل إن كثيرًا من الخلفاء قضوا قتلاً أو اغتيالاً على أيدي سلاطينهم، كما حصل مع المتوكل على الله والمسترشد بالله والمعتز بالله والمقتدر بالله وغيرهم.[87]

حصار إمارة طرابلس على يد المماليك عام 1289.
لم يكن منصب السلطان واحدًا فقط خلال عهود ضعف الدولة، بل إن ولاة الولايات العباسية، قد تحولوا إلى سلاطين على ولاياتهم يحكمون فيها ويورثون حكمها لذريتهم دون أن يتركوا للخليفة أو سلطة بغداد بشكل عام، غير الخطبة في صلاة الجمعة وسك اسم الخليفة على النقد؛ وهكذا لم يكن هناك سلطان واحد بل مجموعة سلاطين مستقلين بشؤونهم الداخلية والخارجية تحت سيادة الخليفة الاسمية، بما يشبه الكونفدرالية في الوقت الحاضر، مع الإشارة إلى تحارب هؤلاء السلاطين وهذه الدول بين بعضها البعض في كثير من الأحيان، بل وتوسعها على حساب بعضها البعض حتى تستولي على بغداد نفسها كما حصل مع الدولة البويهية والدولة السلجوقية.[88]
الجيش[عدل]

المدقة أحد الأسلحة التي كانت مستعملة في العصر العباسي في دكّ أسوار القلاع والحصون.
الجيش العباسي كان جيشًا دائمًا مستقرًا، يقيم أغلب جنده في بغداد إلى جانب الخليفة مع وجود جيوش منفصلة في الولايات، ومن ثم للدول التي نشأت في كنف الدولة العباسية. كان الجيش خلال عهد القوة يأتمر بأمر الخليفة ثم بات خلال عهود الضعف يتحرك بأمر الولاة والسلاطين.[89] لم يكن هناك عسكرية إجبارية في الدولة العباسية، غير أن كل ذكر قادر على حمل السلاح يجب عليه الانضمام للجيش عند إعلان الجهاد بما يشبه النفير العام في حالات الحرب؛ والجيش العباسي هو بالمقام الأول جيش عقائدي يقوم على المفاهيم والشرائع الإسلامية والتي أبرزها نشر الإسلام وحماية الخلافة.
كان ينفق على الجيش من خزينة الدولة مباشرة، ولما زاد عدد الجند إلى درجة أثرت على الأسعار والاستقرار المعيشي في بغداد اضطر الخليفة نقل عاصمة الدولة إلى سامراء مسكنًا كتائب جيشه فيها.[90] وفي عهود الضعف اللاحقة لعب الجيش الدور البارز في إدارة دفة الحكم وشكل قادة الجيش جزءًا أساسيًا من الطبقة الحاكمة،[91] بل إن مهمة الجهاد والدفاع عن حدود الدولة تركت لجيوش سلاطين الولايات أغلب الأحيان، في حين اهتمّ جيش الخلافة في بغداد بالحروب الداخلية وتعيين الخلفاء والسلاطين وعزلهم. على أن جيش بغداد قد تبع دومًا لإمرة السلطان مع وجود فصيل مستقل يدعى «حرس الخلافة» ويلقب قائده بـ«مؤتمن الخلافة» يتبع القصر مباشرة. وعمومًا فإن جيوش الولايات كانت أكبر وأقوى من جيش بغداد وحققت إنجازات أعمق كجيشي الدولة الزنكية والدولة الأيوبية.[92]
أما أسلحة الجيش فقد كانت بالنسبة للجندي تقليدية ممثلة بالسيوف والدروع والهروات، وتمتع الجيش بأسلحة أخرى متطورة بمقاييس عصرها كالمنجنيق والمدقة والدبابة القديمة،[93] غير أنه في عصور انحطاط المماليك كان الجيش من ناحية الأسلحة متخلفًا ولم يدخله البارود والسلاح الناري مطلقًا ما سهل سيطرة العثمانيين على البلاد بين عامي 1516 و1517.
فكرة الإنكشارية التي ترعرعت وازدهرت لاحقًا خلال عهد الدولة العثمانية وظلت جيشها الرسمي حتى عهد السلطان محمود الثاني، إنما تأسست في كنف الدولة العباسية، ومنذ فترة مبكرة خلال خلافة المأمون؛ بيد أن أضخم تطبيق لها كان خلال أواخر أيام الدولة الأيوبية. تقوم فكرة الإنكشارية على شراء عبيد صغار في السن أو أسرهم خلال الحروب ومنحهم في معسكرات خاصة منذ نعومة أظفارهم تربية عسكرية وتدريبًا على حمل السلاح، وتلقينهم العقيدة الإسلامية وحماية الخليفة أو السلطان،[94] وقد دعي هؤلاء في العصر الأيوبي بالمماليك، واستطاعوا الانقلاب على الأيوبيين أنفسهم وتأسيس سلطنتهم الخاصة؛ أما من ناحية المعارك فعوّل السلاطين عليهم في تحقيق النصر، سواءً في الدولة العباسية حين قضوا على إمارة طرابلس وإمارة أنطاكية التابعتين للصليبيين وصدّوا هجمات المغول وقد اشتهر عن المماليك القوّة في الحرب، أو في الدولة العثمانية حين فتح السلاطين أغلب أمصارها بواسطتهم، غير أن طلباتهم المتكررة دفعت الدولة للتخلص منهم خلال سلطنة محمود الثاني في القرن التاسع عشر.[94]
الدين[عدل]
الإسلام[عدل]

إحدى مآذن الجامع الأزهر، أسسه الفاطميون كمدرسة للطائفة الإسماعيلية وحوله صلاح الدين الأيوبي إلى مدرسة للسنة بعد توليه مصر عام 1171، ويعتبر من أهم المراجع الدينية حتى اليوم.

بسملة مزخرفة بشكل إجاصة ترقى لمنتصف القرن الرابع عشر، أي زمن الخلافة العباسية في القاهرة.
يعتبر الدين الإسلامي أحد المقومات الرئيسية التي قامت عليها الدولة العباسية، وقد شهد هذا الدين في كنفها تطورًا كبيرًا كان له الأثر السلبي في بعض الأحيان وأثر إيجابي في أحيان أخرى. فإن انتشار الإسلام بين الشعوب غير المسلمة وفهم هذه الأخيرة للإسلام بطريقتها الخاصة المتأثرة بفلسفاتها ومعتقداتها القديمة، فضلاً عن الاجتهادات الخاصة لبعض الفقهاء، أدى إلى نشوء طوائف ومذاهب عديدة داخل المؤسسة الإسلامية نفسها، بعضها اندثر والبعض الآخر لا يزال حتى اليوم.[95] من الطوائف الإسلامية التي نشأت خلال العهد العباسي المعتزلة والمرجئة والإباضية وغيرهم، كما نشأت عن الطائفة الشيعية عدة طوائف نتيجة اختلافات فقهية أو اختلاف حول وراثة منصب الإمام الشيعي فنشأت بذلك الطائفة الإسماعيلية والعلوية والدرزية.[96] أيضًا فإن بدايات الصوفية نشأت في العصر العباسي وترعرعت فيه مدارسها وتقنياتها المختلفة وصيغت أدبياتها.[97] ولم تكن العلاقة جيدة بين مختلف الطوائف، رغم أن الباحثين يسوقون قيامها إلى الغنى الثقافي والتنوع الحضاري، إذ قامت العديد من الفتن والاقتتالات الطائفية بين مختلف الطوائف وبشكل متواتر طوال تاريخ الدولة ما أثر على وحدتها وولاء مواطنيها.
من أبرز تأثيرات العصر العباسي أيضًا، ظهور وتطور المذاهب والمدارس الفقهية التي حصرت بأربع مدارس كبرى هي الشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية، وكانت هذه المدارس شكلاً من أشكال التنوّع في تفسير العقيدة.[98] وغالبًا ما كان الخلفاء يحيطون أنفسهم بقضاة من المذاهب الأربعة كذلك الحال في الجامعات الكبرى المعنية بالشريعة كالجامعة المستنصرية. وتميّز العهد العباسي أيضًا بالاهتمام بجمع الحديث النبوي وغربلته بقصد التحقق من مدى دقته وصلته بالنبي محمد، وإن أشهر جامعي الحديث قد برزوا خلال العصر العباسي كالبخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم، مما لا يزال فقهاء الإسلام يعتمدون عليهم إلى اليوم، ما يدلّ على التأثير العميق للعصر العباسي في العلوم الشرعية والفقهية.[99] ونشأت عدة مدراس تختصّ بعلوم الحديث أشهر هذه المدارس مدرسة المدينة المنورة ومدرسة أهل الرأي في العراق، وظهر علم «قراءات القرآن» في العصر العباسي، منعًا لاختلاف القراءات بحكم تعدد اللهجات، واختير في سبيل ذلك سبعة قرّاء اشتهروا بعلمهم وفضلهم.[100] بل إن العباسيين حتى في الأزمنة التي كفوا فيها عن رعاية العلوم والفنون لم يكفوا قط عن رعاية المدارس الفقهية وتمويلها، وانطلاقًا من هنا فإن الغزو المغولي الذي دمر المدن الكبرى وأتلف محتويات المساجد والمكتبات في بغداد وحلب ودمشق ترك المسلمين في حال تصفها المستشرقة كارين آرمسترونغ باليتم، ففقهاء العصر المملوكي لم يكونوا مهتمين بتطوير الفتاوي والاجتهادات الفقهية بقدر ما كانوا مهتمين بإعادة تجميع ما قد ضاع وفقد منها.[101]

رجل دين درزي، إحدى الطوائف التي نشأت في كنف الدولة العباسية.
على مستوى الطائفة الشيعية، فإن العصر العباسي يعتبر حاسمًا في تكوين معالم هذه الطائفة كما تبدو اليوم. إذ إن الدعوة العباسية وإن قامت على تقارب مع الشيعة إلا أنها سرعان ما انقلبت عليهم،[102] ورغم أن العباسيين قد حفظوا الإمامة الشيعية قائمة كما تم الاتفاق بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان إلا أنّ أغلب الأئمة الشيعة إما اغتيلوا أو سمموا من قبل الخلفاء،[103] وعلى الرغم من أن الإمام السادس جعفر الصادق قد حرّم التدخل في شؤون الدولة على الشيعة إلا أن العلاقة قد ظلت متوترة.[103] الإمام الثاني عشر محمد المهدي اختفى خلال خلافة المتوكل على الله بظروف غامضة، ويعتقد الشيعة حتى اليوم أن الإمام هو في حالة غيبة بسبب استشراء الظلم والفساد في المجتمع وأنه سيعود قبل موعد يوم القيامة ليقيم الحكم الإسلامي العادل.[104][105] في الحقيقة إن عقيدة غيبة الإمام التي ظهرت في العصر العباسي ستشكل إحدى الركائز الأساسية للطائفة الشيعية ومعتقداتها.[106]
الجدالات الدينية الإسلامية الفلسفية كانت إحدى سمات العصر العباسي خصوصًا في عهود القوة. أبرز هذه الجدالات الدينية الجدل الذي حصل حول أزلية القرآن أو خلقه، إذ قالت المعتزلة والإباضية بخلق القرآن ودعمهم الخليفة المأمون، في حين قالت الأشاعرة والسنة بأزلية القرآن. الجدل الدائر لم يحسم بعد، إذ إن بعض الفرق لا تزال تقول بخلق القرآن استنادًا إلى عدد من آيات القرآن ذاته منها: ﴿قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْ.﴾[107][108] في حين أن أغلب المسلمين يرفضون ذلك استنادًا إلى كون القرآن بوصفه كلام الله جزءًا لا يتجزأ عنه، وإن جعل القرآن مخلوقًا يؤثر على حال الألوهية غير القابلة للتبديل.[109] لطالما قارن المؤرخون وعلماء الدين المقارن بين هذا الجدال والجدال المسيحي في القرن الرابع حول خلق المسيح أو أزليته، وقد عقد مجمع نيقية عام 325 للفصل به وانتهى للقول بأزلية المسيح تمامًا كالقول بأزلية القرآن، بوصف كليهما في دينهما «كلمة الله».[110] الجدال الثاني كان منبعه تضارب التفسير لآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.﴾[111] حيث ذهب البعض للقول بالتفسير الرمزي للآية وتمسك البعض بوجود عرش الله، وأغلب المسلمين من سنة وشيعة اليوم يقرون بالتفسير الرمزي أو التأويل لهذه الآية دونما تفسيرها حرفيًا.[112][113] هناك قضايا أخرى كانت محط جدال في العصر العباسي كالجدال حول رؤية الله في يوم القيامة أو نفيه والجدل المتعلق حول جنس الملائكة والجدل المتعلق بالجبر والاختيار، وغيرهم من القضايا.
ومع كون الإسلام هو دين الدولة، غير أنه لا يمكن تحديد مذهب من مذاهبه أو طوائفه دينًا رسميًا. فخلال خمسة قرون من عمر الخلافة في بغداد، كان دين الدولة يتأثر بطائفة الخليفة، فالمأمون والمعتصم والواثق أعلنوا الاعتزال عقيدة الدولة،[114] وقام المتوكل بتعيين الشافعية مذهبًا رسميًا، أما المستعصم بالله فكان يميل نحو الشيعة وكذلك الخلفاء الذين تعاقبوا خلال الدولة البويهية،[115] على عكس الخلفاء الذين تعاقبوا خلال الدولة السلجوقية ومالوا نحو السنة.
الأديان الأخرى[عدل]

يهود عراقيون أمام ضريح النبي حزقيال عام 1932: بلغ عدد يهود بغداد عام 1170 أربعين ألفًا.
خلال عصر القوة والازدهار العباسي كانت العلاقة بين الدولة ومواطنيها غير المسلمين تصنف على أنها في أحسن الأوضاع خصوصًا خلال خلافتي المنصور والرشيد، وقد جاء في «المنتجب العاني» لمؤلفه أسعد علي أن الخلفاء كانوا يحتلفون بالأعياد المسيحية كعيد الميلاد وأحد الشعانين حتى في قصر الخليفة، فيضع الخليفة وحاشيته أكللة من زيتون ويرتدون الملابس الفاخرة، وقد بنيت في بغداد كاتدرائيتان مع تشييد المدينة.[116] ولعلّ أبرز الدلائل والشواهد عن التعايش الديني والعيش المشترك أشعار أبي زيد الطائي والأخطل التغلبي كذلك ما رواه ابن فضل العمري بكتابه «مسالك الأبصار» وما جاء في كتاب «مسالك الممالك» من وصف للحياة بين المسلمين والمسيحيين في البلاد التي زارها، وقد نقل في كتابه ذاته أنه الرها العباسية وجوارها كان هناك ثلاثمائة دير.[117] كذلك فإن كتابات المؤرخين السريان كالتلمحري وميخائيل الكبير وغيرهما تدلّ عل ذلك، ومراسلات طيموثاوس الأول بطريرك كنيسة المشرق الذي جمعته صداقة مع أبي جعفر المنصور حتى لقبه «أبي النصارى»، ويذكر أيضًا عددًا من الخلفاء والأمراء والولاة كانوا يقيمون خلال تنقلاتهم في الأديرة وقد سجلت أديرة الرصافة ودير زكا ودير القائم قرب البوكمال زيارات لخلفاء عباسيين.[118] كما أنّ العباسيين لم يجبروا القبائل المسيحية العربية كتغلب ونمر وطيء وبني شيبان وقبيلة إياد على الإسلام، وإنما الأسلمة جاءت في القرون اللاحقة التي شهدت اضطهاد الأقليات خصوصًا القرن العاشر.[119]
كان للمسيحيين خاصًة السريان من يعاقبة ونساطرة دور مهم في الترجمة والعلوم والطب،[120] لقد ترجم المسيحيون من اليونانية والسريانية والفارسية،[121] واستفادوا من المدارس التي ازدهرت فيها العلوم قبل قيام الدولة العربية خصوصاً مدارس مدن "الرها ونصيبين وجنديسابور وإنطاكية والإسكندرية" المسيحية والتي خرجت هناك فلاسفة وأطبّاء وعلماء ومشرّعون ومؤرّخون وفلكيّون وحوت مستشفى، مختبر، دار ترجمة، مكتبة ومرصد.[122]
وقد وصف الجاحظ وضع المسيحيين خلال العصر العباسي :«إن النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وان منهم كتّاب السلاطين وفرّاشي الملوك وأطباء الأشراف والعطّارين والصيارفة... وأنهم أتخذزا البراذين والخيل واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين وامتنع كثير من كبرائهم من عطاء الجزية».[123]
أما اليهود فعوملوا كالمسيحيين، ارتقى بعضهم مناصب مرموقة في الدولة، وأصبح حاخام بغداد رأسًا للطائفة اليهودية في العالم بسبب التسامح والرعاية،[124] وبنى الخليفة المعتضد لليهود مدرسة تلمودية في بغداد. وفي عهد الخليفة المستنجد عام 1170 قدر عدد اليهود في بغداد وحدها بأربعين ألفًا، اشتهروا خلالها بالنشاطات الاقتصادية من تجارة وصيرفة على وجه الخصوص.[124]

صورة للصفحتين الأولتين من «المخطوط الفاتيكاني عدد 250»، وهو عبارة عن ترجمة عربية لإنجيل الدياسطرون، ويرقى للعصر العباسي.
كذلك حال المندائيون الذين اعتبروا في الفقه الإسلامي من أهل الكتاب، وانتشروا في الأحواز وجنوب العراق وكانت مدينتي واسط وميسان عواصم لهم، وقد نقل وجود أربعمئة مشكينا في ميسان أوائل العصر العباسي، واشتهر منهم عدد من القضاة ورجال العلم والأدب.[125]
لم يقتصر الأمر على ذلك بل إن حران وجوارها كانت مركزًا وثنيًا كبيرًا تعبد فيها الكواكب والأفلاك، وقد تسامح الخلفاء الأمويون ومن بعدهم العباسيون مع وثنية أهل حران إلى عهد المأمون. إذ إن المأمون مرّ بحران عام 830 فاغتاظ من الوثنية وطلب من أهلها التحول إلى الإسلام أو إحدى الديانات التي يعترف الإسلام بها، فدخل الحرانيون بالصابئة غير أنهم ظلوا وثنيين ومن هنا يمكن التمييز بين طائفتي صابئة، الصابئة المندائيون في جنوب العراق والصابئة الحرانيون الوثنيون، ويمكن القول أن الحرانيين لم يقوموا سوى بتغيير شكلي.[126] ظلت حران على هذه الحال إلى أن دمرها تيمورلنك في القرن الرابع عشر ويذكر أبو الفداء أنها قد تحولت إلى كومة خراب وانقرض دين معتنقيها بعد غزوه هذا.[127] وعلى الرغم من هذا، فيجب الإشارة إلى أن أتباع الأديان غير الإسلامية حتى خلال هذه المرحلة، لم تكن مساواتهم بسائر الرعايا من المسلمين كاملة، فيما يخصّ الزواج أو الميراث أو إنشاء دور العبادة في بعض المراحل.[128]
القسم الأكبر من هذا التعايش تبخر خلال عصور الانحطاط، فهدمت الكنائس ومنع أبناء هذه الأديان من ركوب الخيل ومزاولة بعض الأنشطة التجارية والاقتصادية أو الإقامة في دور مرتفعة، كما أنهم قد عوملوا كرعايا من الدرجة الثانية وأخذ السلاطين والولاة يستبدون بهم وكان البدو يقتحمون الكنائس والأديرة لسلبها على ما يذكر المؤرخ ابن بطريق والمسعودي وغيرهما. كانت إحدى نتائج ذلك، هجرة المسيحيين الذين رفضوا اعتناق الإسلام من المدن نحو الجبال، وهكذا أخذ الموارنة بالنزوح من وادي العاصي باتجاه جبال لبنان العصيّة، وكذلك سجلت حركات هجرة مسيحية نحو طور عابدين وماردين وغيرها من الأماكن المنعزلة.[129] عمومًا لا يمكن أن يفهم أن الاضطهادات كانت مستمرة، إذ كانت تخف وتيرتها بين الفنية والأخرى؛ وقد شملت جميع الأقليات الدينية وفي بعض الأحيان حتى الإسلامية منها. يذكر أنه عندما دخل هولاكو بغداد أمر بعدم التعرض للمسيحيين لكون زوجته مسيحية ومن أتباع كنيسة المشرق الآشورية، وأمر ببناء كاتدرائية في بغداد.[130]
الثقافة[عدل]
الشعر[عدل]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الدولة العباسية تابع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حرب القراصنه :: القسم العام :: المنتدى العام-
انتقل الى: