حرب القراصنه

منتدى تشويقي لقتالات وتقارير والعاب ومانجا وانمي ون بيس .. ادخل .. سجل .. شارك .. ابدع فانت في حرب القراصنه
 
اليوميةالرئيسيةالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولس .و .جبحـث

شاطر | 
 

 الدولة العباسية تابع 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ÂØҚĪʝĪ



الفــــاكــــهـــة : بدون فاكهة
عدد المساهمات : 22
المعرفة : 1286
تاريخ التسجيل : 24/08/2014

مُساهمةموضوع: الدولة العباسية تابع 2   الأحد أغسطس 31, 2014 6:15 am

تمثال لأبي نواس (762 -813م / 145 -199هـ) في العاصمة العراقية بغداد.
يعتبر الشعر في العصر العباسي ثالث حلقات الشعر العربي القديم وأكملها. الحلقة الأولى كانت الشعر الجاهلي والثانية كانت صدر الإسلام والعهد الأموي، لتكون الحلقة الثالثة العصر العباسي، حيث بلغ الشعر مبلغًا عاليًا بدعم الخلفاء والأمراء وتحسن أحوال المعيشة. وتخرّج في هذا العصر أبلغ شعراء العربية وأفصحهم ومنهم لا تزال أشعاره تتداول حتى اليوم.[131] ولم يكن تطور الشعر في العصر العباسي تطورًا في مادته أيضًا بل في علومه أيضًا، إذ قد جمع الخليل بن أحمد الفراهيدي أوزان الشعر في خمسة عشر بحرًا ثم أضاف إليها الأخفش بحرًا واحدًا فظهر بذلك علم العروض بجهود العباسيين.[132] وإن أبرز ما يميز الشعر العباسي تنوّع المواضيع التي طرحها، والتي شملت جميع أطياف المجتمع ومواضيعه، بل إن هذه المواضيع يمكن أن تشكل مرجعًا في دراسة الأحوال الاجتماعية والسياسية خلال مراحل الدولة العباسية المختلفة؛ فمن مدح الخلفاء خلال عهود القوة والذين قاموا بتقديم الدعم المالي للشعراء، إلى التذمر من ضنك العيش وفقر الحال واستشراء الفساد خلال عهود الضعف، كان الشعر دومًا أبرز الميادين التي تعكس حياة المجتمع، نظرًا لكونه العماد الرئيس للثقافة في العصر العباسي.
أحد أبرز التيارات الشعرية، كان تيار الغزل الماجن، ومن شعراء هذا التيار أبو نواس في قصائده المعروفة بالخمريات، وبشار بن برد الذي ولد أواخر العهد الأموي في مدينة البصرة جنوب العراق، ونقل أنه كان مخالطًا للعلماء والشعراء واشتهر بالتردد على الحانات ما ظهر في أدبه شعرًا ماجنًا حتى قتل بتهمة الزندقة،[133][134] ومن أشعاره في وصف إحدى المغنيات البغداديات:
أذنــي لـبـعض الحيّ عاشقةٌ والأذن تعشق قبل العين أحيانا
فاسمعيني صوتًا طربًا هزجًــا يزيد الصبا محبًا فيك أشجانـا
وفي مقابل الشعر الماجن، برز الشعر الديني بشكل قوي في العصر العباسي، وقد انقسم الشعر الديني في ذاته إلى تيارات مختلفة؛ منها من امتدح النبي محمد وأركان الإسلام ورموزه، وقد استمرّ هذا التيار سائدًا حتى عهد الخلافة العباسية في القاهرة ومن قصائده المرموقة قصيدة «البردة» للشاعر البوصيري، والتي نظمها في أعقاب خلع النبي محمد لبردته في الحلم على رجلي الشاعر، فعادت إليهما الحياة بعد الشلل،[135] فالقصيدة حسب معتقدات الشاعر، أشبه بشكر للنبي ومدحه ومنها:
مــحـــمــدٌ سيد الكونـين والثقلين والفريقين من عرب ومن عجمِ
هو الحبيبُ الذي ترجى شفاعتــهُ لكل هول من الأهوال مقتـحـــمِ
أما النوع الثاني من الشعر الديني، فهو التيار الذي غلب عليه الزهد والتأمل الفلسفي في الحياة والله، ولعلّ أبو العتاهية المولود في الأنبار عام 750 أبرز شعراء هذا التيار، بل إن البعض من الباحثين يعتبره مؤسسًا لتيار الزهد الشعري كما يعتبرونه قد ارتقى بالشعر الزاهد ليبلغ الفلسفة والحكمة؛ وعندما توفي عام 825 كان قد ترك دووادين عدة في الشعر الزاهد، رغم أنه لم يلتزم في جميع قصائده بقواعد الشعر كالعروض. ووما قاله أبو العتاهية في الزهد:[136]
إنما الدنيا فناءٌ، ليس للدنيا ثبوتُ إنما الدنيا كبيتٍ، نسجته العنكبوتُ
وقد بلغ الشعر الزاهد لدى بعض الشعراء كأبو العتاهية نفسه مبلغًا أنكر من خلاله جدوى الدين واكتفى بالتسليم بالله؛ أما النوع الثالث من الشعر الديني، فهو التيار الصوفي، وقد تعدد رواده ليس فقط في الدولة العباسية وإنما في الأندلس أيضًا. من الشعراء الصوفيين ابن الفارض المولود في مصر عام 1180 وابن سينا الطبيب والفيلسوف والشاعر المولود في بلاد فارس عام 980، وأبو حامد الغزالي المولود عام 1059 والذي عاصر الاقتتال الطائفي بين المعتزلة والأشاعرة،[137] ومن الشعراء من أسس نمطًا خاصًا من الشعر الصوفي يدعى الشطح، كان من رواده أبو يزيد البسطامي.[138]
بعيدًا عن الشعر الديني، فقد استمر الشعراء العباسيين بالافتخار بأنفسهم والاعتداد بما صنعوا أو الافتخار بقبائلهم. قال الشاعر المتنبي أحد أبرز شعراء العصر العباسي مفتخرًا بموقعه في المجتمع الذي أخذ الفساد فيه بالانتشار:
مـا مـقـامي بـأرض نـخـلـةٍ إلا كـمـقـام الـمـسـيحِ من الـيـهـودِ
أين فضلي إذا قنعت من الدهــ ــر بعيشٍ معجلِ التنكيــــــــــدِ
وقام صفي الدين الحلي بالسير على عادة العرب القدماء بالافتخار بقبائلهم وقوتهم في ساحات الوغى،[139] وإلى جانب قصائد المدح، فقد كان للهجاء نصيبًا في الشعر العباسي، وأغلب الشعراء قد كتبوا في هذا النمط الشعري ومنهم دعبل الخزاعي من مواليد البصرة عام 769 في هجاءه والي الرحبة مالك بن طوق.[140] وإلى جانب المدح والهجاء كان للرثاء دور في الشعر العباسي وأبرز من نظم قصائد الهجاء الشريف الرضي وأبو تمام. ولم يغب الشعر الوصفي الذي درج عليه العرب القدماء عن ساحة الشعر العباسي، بل إن أغلب الشعراء استهلّوا قصائدهم بوصف الطبيعة أو غيرها من المواضيع قبل الولوج في صلب الموضوع الخاص بقصيدتهم، ولعلّ صفي الدين الحلي وأبي تمام من أبرز شعراء الوصف في ذلك العصر. ومن التيارات الشعرية الأخرى التي انتشرت كان شعر الغزل الذي احتلّ النصيب البارز إذ تتعدد القصائد التي تصف الحبيب وتتغزل بشيمه وأوصافه، والتيار الاجتماعي وأبرز شعرائه ابن فارس وأبو العلاء المعري،[141] فضلاً عن محاولة تأريخ الأحداث وحل المساجلات الدينية من خلال الشعر.
وإن كان الشعر العباسي هو بالدرجة الأولى شعر عربي، غير أنه قد برز العديد من الشعراء الذين شادوا بلغات أخرى خصوصًا الفارسية والتركية ولاقوا دعم الأمراء والسلاطين في مناطقهم. من أمثال هؤلاء جلال الدين الرومي المولود عام 1207 والذي كتب بالفارسية وأسس الطريقة المولوية وفي ديوانه المثنوي خمس وعشرون ألف بيت شعر؛ وهناك منصور أبو القاسم الفردوسي المولود عام 940 مؤلف ملحمة الشاهنامه، ومن الشعراء الذين كتبوا بالتركية يونس الإمري.[142]
الأدب[عدل]

صفحة مصورة من كتاب كليلة ودمنة، عثر عليها في هرات وهي نسخة فارسية مترجمة عن العربية.

علي بابا داخل الكهف السري، أحد قصص الأدب العباسي؛ بريشة ماكسفيرد باريش عام 1909.

مثال على تطور الكتابة العربية بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر: (1) البسملة كتبت دون نقط أو شكل. (2) نظام أبي الأسود الدؤلي ويَعتمد على تمثيل الحركات بنقاط حمراء، وتُستعمل النقطتان للتنوين. (3) تطور النظام بتنقيط الحروف. (4) نظام الخليل بن أحمد الفراهيدي المستعمل إلى اليوم، وهو وضع رموز مختلفة للحركات فيما تبقى النقاط لتمييز الحروف.
كان الأدب أحد المجالات الثقافية البارزة في العصر العباسي، وقد تطورت العلوم الأدبية بشكل كبير فظهر فن السجع وفن المقامات، وهي عبارة عن قصص خيالية لبطل أوحد عادة ما تكون ذات مغازي أو تهدف للمطالبة بإصلاحات معينة؛ وكان أول من صاغها بديع الزمان الهمذاني، وقد غلب عليها التكلف الأدبي، وأحد أشكالها المقطع الآتي في وصف ظلم أحد القضاء للهمذاني: "وأقسم لو أنّ اليتيم وقع في أنياب الأسود، بل الحيّات السود، لكانت سلامته أحسن من سلامته إذا وقع في غيابات هذا القاضي وأقاربه".[143] كما انتشر فن الروايات والقصص ذات العبر ككتاب كليلة ودمنة لابن المقفع والذي مرر من خلاله نقدًا لاذعًا لولاة الأمر على ألسنة حوار جرى في مملكة الحيوان، رغم أن النصّ الأصلي قادم من الأدب الفارسي غير أنّ ابن المقفع قد زاد عليه ومن خلال ترجمته لعب دورًا بارزًا في المجتمع العباسي ومنه تحول إلى أدب عالمي. ولابن المقفع كتابات أخرى أدبية تعكس الحالة الثقافية السائدة كمؤلفه «الأدب الصغير».[144] في حين نحا الجاحظ في مؤلفه البخلاء إلى سرد قصص قصيرة وفكاهية حول نوادر البخلاء، وقد نال كتابه نجاحًا عارمًا في أوساط المجتمع العباسي.
خصائص الأدب العباسي، تتميز بفصاحة اللغة المستعملة من ناحية، وتنوع الأساليب الأدبية، فخلال المراحل الأولى من عهد الدولة كان الأدب يستعمل جملاً قصيرة وذات معاني واضحة مبتعدًا عن التكلّف الأدبي أو فنون الخطابة من زخرفة لفظية أو ترادف وتضاد وسجع وسواه،[145] ومع ازدهار الدولة وظهور العدد الوفير من الأدباء والشعراء والقصاصة، أخذ تجميل النصوص والعناية بمفرادتها يصبح أمرًا شائعًا بل تحوّل في واقع الأمر، إلى منافسة بين الأدباء وسجالات في بعض الأحيان، كالسجال الذي نشأ أواخر القرن العاشر بين بديع الزمان الهمذاني والخوارزمي، وأحيانًا كانت السجالات تتخذ مواضيع معينة كالنقاش حول أفضلية الديك أو الطاووس أو منافع الكلب ومساوئه، أو إبداء الرأي في السجالات الدينية القائمة والصراعات بين المذاهب والمدارس المختلفة، حتى شبه البعض تلك المرحلة بالنقاشات السفسطائية. ومال عدد من النقاد السالفين والمعاصرين، إلى اعتبار التكلّف الأدبي رغم جماليته، نوعًا من أنواع الضعف حيث يغلب الشكل على المعنى، وتُحدّ الجمل بالقيود اللفظية والزخارف البديعية.[145] وقد تراجع الأدب العباسي بدرجة كبيرة، خلال العصر المملوكي وزمن الخلافة العباسية في القاهرة.
وإلى جانب الأدب المكتوب، انتشر الأدب المحكي ومنه قصص ألف ليلة وليلة التي يندرج تحت إطارها جميع القصص الخيالية التي دونت بالعربية ومنها سندباد وعلي بابا وعلاء الدين والمصباح السحري وغيرها من القصص التي كانت تروى في جلسات السمَر بشكل شفهي وتتناقل على ألسنة الحكواتية حتى تمّ تدوينها في القرن العاشر لمحاولة ضبط النص.[146] ورغم أنتشارها في أوساط العامة غير أن نصوصها كانت مزخرفة بمجملات العبارات ومطعمة بالأشعار المحلية، ويمكن أن يدرج تحت هذا التنصيف الأدبي أيضًا قصص الزير سالم وعنترة بن شداد، وهي على الرغم من كونها قصص تاريخية حقيقية إلا أنه قد تم توسيعها وزخرفتها لتناسب الذوق العام.[146] وعندما ترجمت إلى اللغات الأوروبية عام 1704 قصص ألف ليلة وليلة للمرة الأولى لاقت نجاحًا منقطع النظير وقد شرحها وعلّق عليها أكثر من كاتب واستمرت دور النشر في أوروبا بإعادة طباعتها حتى 1838، ما دفع الناقدة رنا قباني لاعتبار قصص ألف ليلة وليلة وأدبها ثورة القرن الأدبي في أوروبا.[147] بل وقد أثرت هذه القصص على الكتاب الأوروبيين نفسهم فظهر على سبيل المثال التشابه بين رواية كليوماد في فرنسا وقصة «الحصان المسحور» العربية، ورواية بيير دو بروفانس المطابقة لقصة «قمر الزمان» المندرجة ضمن أدب ألف ليلة وليلة أيضًا.[148] ويرى عدد من النقاد أن مجنون ليلى التي تندرج ضمن الأدب العباسي وتعكس علاقة الغرام بين قيس وليلى، قد اعتمد عليها ويليام شكسبير في مسرحيته "روميو وجولييت". فعلى الرغم من أن المسعودي لم يجد لهذه القصص أي أهمية سوى التسلية الهابطة وذلك في كتابه «مروج الذهب»، وكذلك ابن حاتم حين أشار إلى انتفاء قيمتها الأدبية، إلا أن الأدب العباسي قد بلغ ذروة نجاحه عن طريقها، سواءً في الشرق أو في الغرب.[148]
وتشير رنا قباني أن سبب نقد مثقفي العباسيين كالمسعودي وابن حاتم لهذا التيار الأدبي، يعود لانتشاره في أوساط العامة ولتركيزه على اهتماماتهم؛ فيغلب قصصه تناول جمال النساء ومكرهنّ وخبثهن، والإشارة إلى البذخ والثروات الطائلة. فهو أدبٌ موجه أساسًا لجمهور ذكوري وفقير.[149] إلى جانب هذا النوع من الأدب انتشر في العصر العباسي أدب الرحلات، وأقبل الناس على هذا النوع الأدبي لما تضمنه من معلومات عن أقطار الدولة البعيدة أو حتى تلك تقع في الصين أو الهند، لمعرفة طرق حياتهم ومن كتاب أدب الرحلات الإدريسي الذي كتب عن جنوب شرق آسيا في القرن الثاني عشر.[150] ولم يكن أدب الرحلات دومًا أدبًا علميًا دقيقًا فأدخلت عليه الأساطير والمبالغات التي استسيغت في المجتمع كأسطورة بلاد الواق واق والتي ذكر عنها ابن خرداذبة في القرن التاسع أنها كثيرة الذهب حتى أن أهلها يتخذون سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب.[150][151]
نحو اللغة[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: نحو عربي
شهد العصر العباسي تطورًا هامًا في بنية اللغة العربية. إن أغلب الباحثين يعيدون نشأة النحو العربي إلى أبو الأسود الدؤلي والذي كان أيضًا أول من وضع النقاط على الحروف في الأبحدية العربية، غير أن التطور الهام للغة إنما تمّ خلال المراحل اللاحقة للدؤلي،[152] خصوصًا في العصر العباسي، حيث اشتهر فيه أبرز النحاة كعيسى بن العمر الثقفي وأبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد وسيبويه الملقب "إمام العربية"، ويونس بن حبيب والكسائي مؤسس مدرسة الكوفة في النحو، والأصمعي والزمخشري وسواهم. وخلال هذا العصر، أعيد ترتيب الأبجدية بالشكل المتعارف عليه اليوم، بعد أن كانت مرتبة وفق الترتيب التقليدي للغات السامية.[153] كما ظهر التشكيل بالشكل المتعارف عليه اليوم، وذلك على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي. سوى ذلك، فإن اختلاط العرب بالشعوب الغير عربية والتفاعل الحضاري بين هذه الشعوب، أدى إلى دخول العديد من المصطلحات الغير عربية إلى هذه اللغة ومنها كلمة بيمارستان الفارسية الأصل والتي تعني المستشفى، وكلمة "عمق" العربية المنحوتة من فعل "عمقو" في السريانية. بل إن ازدهار العلوم وتطور الآداب دفع إلى ظهور مصطلحات جديدة كالجوهر والحد والجبر والعنصر والترياق وسوها ما دفع البحتري للقول: «أراكم تتكلمون بكلامنا، في كلامنا، بما ليس في كلامنا».[145] وهو ما دفع أيضًا إلى ظهور المعاجم والقواميس الخاصة باللغة العربية، مستندة إلى القرآن والشعر الجاهلي بشكل رئيسي، وكان الخليل بن أحمد أول من جمع قاموسًا سماه «العين»، على أن القواميس اللاحقة قد نالت شهرة أكبر ولا تزال مستعملة حتى اليوم، كلسان العرب لمؤلفه ابن منظور والقاموس المحيط للفيروزآبادي.[100]
وقد أدى هذا الاختلاط أيضًا وبشكل تدريجي، إلى نشوء اللهجات المحلية في العربية خصوصًا خلال عهد الدولة المتأخر؛ ويعود سبب نشوء اللهجات واختلافها إلى اللغات التي كانت سائدة قبلاً، فتأثرت اللهجات الشامية والعراقية بالسريانية واللهجة المصرية بالقبطية أما لهجات المغرب العربي فقد تأثرت باللغتين الأمازيغية والبريرية.
العمارة[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: عمارة إسلامية

مئذنة مسجد المتوكل على الله في عاصمته سامراء، أحد أشكال العمارة العباسية.
اهتم العباسيون خلال عهود قوتهم بالناحية العمرانية عناية واضحة، فأنشؤوا عددًا من المدن الجديدة برمتها، ولعلّ أشهرها عاصمة الدولة بغداد ومن المدن الأخرى التي شيدها العباسيون سامراء والمتوكلية والرحبة في الجزيرة السورية وغيرها. كما قام العباسيون بإنشاء شبكة واسعة من الطرق والجسور خصوصًا في العراق حاضرة الخلافة، وشيدوا المدارس والجامعات والمستشفيات والحمامات العامة في المدن الكبرى وقد ذكر المؤرخ ابن جبير أن في مدينة دمشق وحدها أكثر من مائة حمام، إضافة إلى التكايا التي تستضيف الفقراء والفنادق المخصصة باستقبال الغرباء عن المدينة؛ كما قام العباسيون بتزويد الطرق العامة سواءً في المدن أو خارجها بصنابير المياه بحيث يستطيع عابر السبيل أن يرتوي من الطريق مباشرة.[100]
تأثر فن العمارة العباسية بالعمارة العراقية القديمة خصوصًا الأشورية وكذلك العمارة الفارسية، ولعل تصميم بغداد بشكل دائري له أربع أبواب هو أحد أبرز أوجه التأثر بالعمارة الآشورية إذ إن المدن التي بناها المسلمون سابقًا إما مربعة كالقاهرة أو مستطيلة كالفسطاط، ومن العراق انتقل هذا النمط المعماري عن طريق الولاة والسلاطين إلى مصر وبلاد الشام. في حين يشكل استعمال الآجر والطين لبناء القصور بدلاً من الحجارة أبرز تأثرات العمارة العباسية بالعمارة الفارسية خصوصًا خلال العهد الساساني.[100]
تمازجت مع العمارة فنون الزخرفة التي وصفها عدد من النقاد بأنها لغة الفن الإسلامي؛ وقد كانت زخرفة المساجد والقصور والقباب الميدان الأساسي لها، بأشكال هندسية أو نباتية عرفتها أوروبا بالاسم الفرنسي «Arabesque» وتعرف اليوم بالزخرفة العربية، وقد انتشر هذا المصطلح في العالم العربي حديثًا للإشارة إلى الزخرفة العباسية، على أن جذر الكلمة لغويًا يأتي بمعنى «التوريق». كما انتشر في العصر العباسي بنوع خاص الفن التجريدي رغم أن نشأته كتيار فني تعود للعصور الحديثة، إلا أنّ العباسيين وخلال زخرفاتهم عملوا إلى عزل عنصر الزخرفة كالورقة أو الزهرة عن محيطها، أي عمد الفنان العباسي بتجرديها عن محيطها الطبيعي الذي يعطي إحساسًا بالذبول والفناء مانحًا إياها شعورًا بالداوم والبقاء. وإلى جانب الزخرفة النباتية، درجت زخرفة الأحرف العربية وازدهرت حتى أصبحت علمًا قائمًا ممثلاً بعلوم الخط العربي، رغم أن نشأته تعود لما قبل الإسلام. ومن أشهر أنواع الخطوط الخط الكوفي وخط الرقعة. وكذلك وعلى الرغم من عدم استساغة علماء الدين المسلمين لتصوير الإنسان أو الحيوان، إلا أن الخلفاء العباسيين قد اعتنوا بالأمر كما تدل جدران القصور المكتشفة في شرق الأردن وسامراء. ويصنف النقاد الزخرفة العباسية بكونها زخرفة «كارهة للفراغ»، إذ يقوم الفنانون برسم الزخارف من الحجم الكبير والمتوسط والصغير بحيث تملأ جميع الفراغات بزخارف ولو كانت متناهية في الصغر.[100] كما اشتهر العباسيون الفسيفساء القادمة من الحضارة البيزنطية.
الموسيقى والغناء[عدل]
يا ليل الصبّ متى غده، أقيام الساعة موعده؟ فيروز على يوتيوب
—القصيدة للشاعر أبو الحسن الحصري المتوفى عام 1095،
وهي ملحنة وفق طريقة «الموشحات الأندلسية»، أحد فروع الموسيقى العباسية.

العود أحد الآلات الموسيقية الرئيسية في «التخت الشرقي».
قال ابن خلدون: «ما زال فن الغناء يتدرج عند العرب حتى كمُل أيام بني العباس».[154] ويقول عدد من النقاد: إن الموسيقى العربية في العصر العباسي بلغت ذروة مجدها من ناحيتي الأداء الغنائي وانتشار العلوم والبحوث والدراسات الموسيقية. واستمرت بغداد حتى منتصف القرن التاسع الميلادي مركزاً حيوياً تنبعث منه إشعاعات النهضة الموسيقية العربية.[155] وقد اقترن تطور الموسيقى بحالة الرخاء الاقتصادي في الدولة خلال عهود قوتها من ناحية، وبدعم الخلفاء غير المنقطع لها منذ مؤسس الدولة أبو العباس السفاح الذي أحب غناء سلمك الفارسي، مرورًا بالخليفة المأمون الذي كان يروقه بنوع خاص الغناء الإغريقي اليوناني وهو من أمر بترجمة الأصول النظرية للموسيقى إلى العربية فشكل بذلك أساس العلوم الموسيقية النظرية؛ وموسى الهادي الذي كان ابنه عبد الله مغنيًا ويجيد العزف على العود، وهارون الرشيد الذي أنفق ثروة في منح الجوائز للمغنين والملحنين،[154] وكان الخليفة الواثق بالله حسب شهادة المؤرخ حماد بن إسحق الموصلي: بأنه أعلم الخلفاء بهذا الفن، وأنه كان مغنيًا بارعًا وعازفًا ماهرًا على العود. وقد لقي الفن من التشجيع والكرم في بلاطه ما يجعل المرء يظن أنه تحول إلى معهد للموسيقى، بدلا من كونه مجلسًا لأمير المؤمنين.[155]

جارية تنقر على الدف في مجلس سمر.
وقد تمازجت الموسيقى العربية واختلطت، بأنواع الموسيقى السريانية والفارسية وشكلت معها مزيجًا متماسكًا حتى القرن العاشر، حين دخلت وبنتيجة وفود قبائل السلاجقة والأكراد الآلات النفخية، وأخذت تحلّ مكان الآلات الموسيقية الوترية التي كانت العماد الرئيسي للموسيقى العربية، ما دفع عدد من المؤرخين لإبداء استيائهم من هذا التغير.[155] وقد دوّن لنا المؤرخون عددًا من أبرز الفنانين والملحنين الذين تألقوا خلال العصر العباسي في مجالس خلفاء العصر العباسي الأول، وهم: حكم الوادي، وإبراهيم الموصلي، وإبن جامع، ويحيى المكي، زلزل، ويزيد حوراء، وفليح بن أبي العوراء، وعبد الله بن دحمان، والزبير بن دحمان، وإسحاق الموصلي، وبرهوم، ومحمد الرف، وزرياب وقمر البغدادية، إلى جانب آخرين.[154] والفن العباسي سابق للفن الأندلسي الممثل في الموشحات الأندلسية وسواها، بل إن المؤرخين والنقاد يجعلون من الفن الأندلسي متأثرًا بالفن العباسي وكذلك الفن الموسيقي المغربي.
وبنتيجة هذا الاهتمام بالموسيقى ومجالس الطرب، نشأت العلوم الموسيقية فقام الكندي في كتابه «رسالة في خبر تأليف الألحان» باستعمال الحروف والعلامات في تدوين الألحان منشئًا بذلك النوطات، و«كتاب الموسيقى الكبير» للعالم والفيلسوف الفارابي، و«كتاب الأغاني» للأديب أبي الفرج الأصفهاني وقد أهداه لسيف الدولة الحمداني، وكتاب «الأدوار» لصفي الدين الحلي والذي يقول الناقد كروسلي هولاند أنه كان الأساس لجميع ما تبعه من مؤلفات تتناول الجوانب العلمية في الموسيقى أو التحلين، وكذلك تطرق ابن سينا الطبيب المعروف في كتابه «الشفاء» لدور الموسيقى في العلاج وأنواع الموسيقى الملائمة لها.[155]
على أنه قد اقترنت مجالس الطرب عادةً بخلاعة جنسية تقوم بها إماء الخليفة أو السلطان، وكذلك بشرب الخمور، وكلا الأمرين مما لا تبيحهما الشريعة الإسلامية؛ هذا ما دفع عددًا من الفقهاء وعلماء الدين إلى تحريم الموسيقى والغناء،[100] وذهب الباحث رضا العطار بإن أغلب الفقهاء العباسييين حرّموا الموسيقى والغناء وكان أشدهم بذلك أنس بن مالك المتمذهب بالمذهب الشافعي حتى اعتبر أن الإنسان لو ترنّم لنفسه في خلوته فذلك خطيئة، ويشير العطار أن أبو حامد الغزالي كان الوحيد ممن أشار صراحة إلى عدم تحريم الشريعة الإسلامية للغناء.[156][157]
العلوم[عدل]
العلوم العامة[عدل]
Crystal Clear app kdict.png طالع أيضًا: قائمة العلماء المسلمين

العالم القديم كما رسمه الإدريسي. كان الشمال في ذلك العصر يرسم أسفل الصورة؛ لاحظ التشابه في الحدود العامة بين الخارطة التي تعود للقرن الثاني عشر والخرائط الحالية.
لم يكن لدى العرب في شبه الجزيرة العربية علومًا متنوعة، ولم يركز الأمويون اهتماماتهم على مجالات متنوعة في العلوم، لذلك فإن تأسيس العلم العربي فعليًا يعود للعصر العباسي، معتمدًا في البداية على ترجمة أعمال الفلاسفة والعلماء اليونان كأرسطو وأفلاطون، وذلك بدعم من الطبقة الحاكمة. وفي المرحلة الثانية أصبح العلماء العباسيون يضيفون ويبتكرون في العلوم النظرية والتقنية على حد سواء. خلال تلك المرحلة، كان الجهل والأمية متفشيان في أوروبا بشكل مريع، ولولا جهود الخلفاء وحاشيتهم لكان العلم الإغريقي القديم قد اندثر تمامًا. يقول في هذا الصدد المؤرخ الفرنسي لومبادر في كتابه «الإسلام في فجر عظمته» الصادر عام 1973 أنه بينما نست أوروبا العلوم، ظل العرب في جامعاتهم يدرسون إقليدس وفيزياء العناصر ومخروطيات أبولونيوس وأرخميدس وبطليموس، ما أدى إلى تحول العربية إلى لغة العلوم العالمية، فأنتج العباسوين علماءً في الفلك وعلوم الطبيعة والفيزياء والطب ورياضياتيين يصفهم المؤرخ نفسه بأنهم «من الطراز الأول».[158] وقد شاطره ذلك الرأي المؤرخ الفرنسي رونان حيث صرّح: إنّ العلم حقًا أحد مؤسسات الحضارة الإسلامية، ولم يقم محسنون بتشجيعه فقط، بل إن الخلفاء قاموا بتأسيسه وتنميته.[159] وتجدر الإشارة أن أمويو الأندلس قد قاموا أيضًا بتشجيع العلوم، وعن طريق قرطبة، أكثر مما هو عن طريق بغداد انتقلت هذه العلوم نحو أوروبا، باستثناء مرحلة الحروب الصليبية والسفارات المتبادلة قبلها. وساهمت هذه العلوم لدى انتقالها في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة. ويقول ألكسندر كويريه في هذا الصدد: إن العرب في بغداد وقرطبة كانوا معلمي الغرب ومربيه. لأنه لم يترجم العرب أعمال اليونان الفلسفية والعلمية إلى العربية وفقط، بل أضافوا إليها مؤلفات برمتها. ولأنه لم يكن هاك في الغرب شخص يمكنه أن يفهم كتبًا لها صعوبة فيزياء أو ماورائيات أرسطو أو مؤلف بطليموس «المجسطي». فاللاتينيون بمعزل عن عون الفارابي وابن سينا وابن رشد بشروحهم وتعليقاتهم على هذه المؤلفات، لم يكن ليصلوا يومًا إلى فهم تلك الكتب.[160]

يعقوب بن إسحاق الكندي، عالم وفيلسوف (185 -256هـ/ 805 -873م).
غير أن لومبادر وكويريه، وكذلك جورج مينوا قد أشاروا إلى انهيار شبه تام للعلوم في الدولة العباسية منذ القرن العاشر، ذلك لا يعود فقط لتدهور الاستقرار السياسي وتراجع حال المعيشة، بل لبروز تيارات دينية متشددة استطاعت السيطرة على القصر وأثرت على العلوم بشكل سلبي، وإحدى هذه التيارات كما اتفق المؤرخون الثلاثة المدرسة الحنبلية التي ركزّت على سلبية التعاطي مع أي علم أو كتاب غير القرآن والسنة، ونحا بعض علمائها لاعتبار فلسفة ذلك الزمان زندقة، وجاء في إحدى أدبيات الحنابلة: لا تفرط في دراسة الكواكب، إلا لمساعدتك على تحديد ساعات الصلاة. لا أكثر من هذا.[161] ويضيف كويريه أن الفكر العقلي الجدلي الذي كان أحد أبرز مميزات الحضارة قد تراجع مع السلاجقة واختفى مع الاجتياح المغولي وبالتالي كفّ العرب عن البحث والتحديد واكتفوا بالنقد والتقليد.[160]

تشريح العين لحنين بن اسحق من كتابه «المسائل في العين».
ومن أبرز المنجزات العلمية في العصر العباسي، رسم أول خارطة للعالم بأسره على يد الإدريسي المولود في سنة 1100 وقد ظلّ كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، كتاب الجغرافيا الأول في الشرق والغرب.[162] ومن العلماء العباسيين البارزين أيضًا، ابن الهيثم المولود عام 965 والذي ألف مائتي كتاب في الطب والفلسفة والرياضيات والفيزياء ولعلّ كتبه حول الأشعة وانكسارها وانعكاسها أبرز ميادين كتابته، وقد حاز مؤلفه «المناظر» الذي درس به الأشعة شهرة عالمية. ويعود له أيضًا عدد من الابتكارات كصقل العدسات المحدبة والمقعرة.[163] وأيضًا عبد الله البتاني الذي ولد في الرقة وعاش بها عام 850، واشتهر بعلم الرياضيات حيث أكمل تنسيق الزوايات خصوصًا الجيب وجيب التمام والظل، وناقش نظريات بطليموس حول الكواكب وزاد عليها في كتابه «تعديل الكواكب» وكتابه «زيج البتاني».[164] هناك أيضًا ابن سينا المولود في بخارى عام 981 وله مؤلفات في مواضيع شتى أجلّها «القانون في الطب» وهو موسوعة تحتوي خلاصة ما توصل إليه الإنسان في هذا المجال، وقد ظل متداولاً ومتدارسًا في مختلف أصقاع العالم حتى القرن السادس عشر. وفي مجال الصيدلة برز ابن البيطار الذي ولد في الأندلس عام 1197 وطاف أوروبا واستقر في دمشق إلى أن توفي عام 1248، وساهمت رحلاته في معرفته أنواع النباتات وتركيب عقاقير طبية منها. وقد ألف ابن البيطار عددًا من الكتب أبرزها «الجامع في المفردات الطبية»، ويعتبر من رواد طريقة الاستنباط العلمية، إلى جانب جابر بن حيان العالم الكيميائي الذي نال دعم هارون الرشيد وأسس وتلامذته منهج التجربة في العلوم.[165]
وهناك أيضًا الكندي وهو من أبرز الفلاسفة، والرازي الذي كان له مؤلفات طبية أبرزها «الحاوي» ومؤلفات فلكية ناقش خلالها كروية الأرض وعدم تمركزها في قلب العالم؛ كما اشتهر علم التأريخ وفق الروايات المتناقلة ومن المؤرخين ابن كثير والمقريزي، وانبثق منه علم أنساب العرب وتدوين سير أعلامهم ومن الكتب الهامة في هذا الصدد كتاب «وفيات الأعيان» لابن خالكان. ومن العلوم التي نشأت أيضًا في كنف العباسيين، علم الجبر، وكذلك فقد ابتكر الخوارزمي أول لوغاريتم في العالم.[100] ولم يقتصر الأمر على المسلمين، إذ برز العديد من العلماء غير المسلمين كثيوفيل بن توما الذي شغل منصب كبير علماء الفلك لدى الخليفة، وقيس الماروني المؤرخ الذي وضع مؤلفًا أرخ به تاريخ البشرية منذ خلق آدم وحتى خلافة المعتضد،[166] وجرجس بن بختيشوع المولود عام 771 وجبريل بن بختيشوع تلميذه المولود عام 809 وهم أبناء أسرة مسيحية من الأطباء والعلماء وحنين بن إسحاق وابن اخته حبيش بن الأعسم، وعبد المسيح الكندي من القرن التاسع ويوحنا بن ماسويه والذي كان وأبيه قبله، مدير مشفى دمشق خلال خلافة هارون الرشيد، وغيرهم.[100] وفي الواقع، فإنه من الصعب حصر جميع علماء العباسيين ومؤلفاتهم لكثرتها وتنوعها.
الترجمة[عدل]

إحدى مخطوطات بيت الحكمة المترجمة إلى العربية.
اهتمّ العباسيون بترجمة الكتب والمخطوطات القديمة إلى العربية، فشكل ذلك بداية الثورة الفكرية والحضارية في العصر العباسي. كان العرب يجهلون اللغة اليونانية التي دونت بها أغلب المؤلفات العلمية القديمة أمثال أرسطو وأفلاطون وغيرهما، ومع اهتمام الخلفاء خصوصًا أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد وابنه المأمون بالعلوم، عهدوا بعملية الترجمة إلى السريان وبشكل أقل للفرس.[167] وقد كانت الترجمات تتم على مرحلتين، من اليونانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية.[121] كذلك فقد نقل العرب، الأدب السرياني بكامله إلى لغتهم وقد اعترف المؤلّفون العرب القدماء، كابن أبي أصيبعة، والقفطي، وابن النديم والبيهقي، وابن جلجل وغيرهم، بقصّة غزو العرب للأدب السريانيّ والمؤلّفات التي ترجمت عن السريانيّة إلى العربيّة في أرجاء الدولة العباسيّة والأندلس:[168]
«ازدهرت الترجمة على أيدي السريان في الفترة الواقعة بن عاميّ 750-900. فقد عكفوا على ترجمة أمّهات الكتب السريانيّة واليونانيّة والفارسيّة إلى العربيّة، وكان على رأس أولئك المترجمين في بيت الحكمة "حنين بن إسحاق" الطبيب النسطوريّ، فقد ترجم إلى اللغة السريانيّة مائة رسالة من رسائل جالينوس، وإلى العربيّة تسعاً وثلاثين رسالة أخرى، وترجم أيضاً كتب المقولات الطبيعيّة والأخلاق الكبرى لأرسطو، وكتاب الجمهوريّة، وكتاب القوانين والسياسة لأفلاطون، فكان المأمون يعطيه ذهباً زنة ما ينقله من الكتب. وقام ابنه اسحق في أعمال الترجمة أيضاً فنقل إلى العربيّة من كتب أرسطو الميتافيزيقيا والنفس وفي توالد الحيوانات وفسادها، كما نقل إليها شروح الإسكندر الأفروديسي وهو كتاب كان له أثر كبير في الفلسفة الإسلاميّة. وكان قسطا بن لوقا يشرف على الترجمة من اللغات اليونانيّة والسريانيّة إلى العربيّة. وقد أقام المأمون يوحنا بن البطريق الترجمان أميناً على ترجمة الكتب الفلسفيّة من اليونانيّة والسريانيّة إلى العربيّة، وتولّى كتب أرسطو وأبقراط. ولم يكن الخلفاء وحدهم يهتمّون بالترجمة والنقل إلى العربيّة بل نافسهم الوزراء والأمراء والأغنياء، وأخذوا ينفقون الأموال الطائلة عليها، فيقول ابن الطقطقي: إن البرامكة شجعوا تعريب صحف الأعاجم حتى قيل أن البرامكة كانت تعطي المعرّب زنة الكتاب المعرّب ذهباً. وبالغ الفتح بن خاقان في إنفاق الأموال على الترجمة والتأليف. وكان عبد الملك بن الزيات لا يقل عنه سخاء في هذا المجال.[168] »
بسبب هذا النشاط، ينحو عدد من الباحثين لاعتبار النشاط السرياني وما رافقها من حركات ترجمات، عنصر أساسي من عناصر خلق "الحضارة العربية"،[168][169][170] وساهم ذلك، في الوقت نفسه بإحلال العربية كلغة تخاطب بين السريان بدلاً من السريانية، وذلك في العراق على وجه الخصوص، غير أن هذه العملية لن تنتهي قبل القرن الثالث عشر.[168]
الاقتصاد[عدل]

برج مراقبة في منقطة غونسو في الصين، لمراقبة القوافل التجارية التي تعتبر طريق الحرير وحمايتها. وهو واقع في الجزء الصيني من الطريق.
النظام الاقتصادي في الدولة العباسية، كأي نظام قبل الثورة الصناعية هو نظام إقطاعي وقوامه الزراعة. وقد كانت الأراضي الخصبة مقسمة إلى أربع قطاعات: أراضي الدولة التي تعود أرباحها مباشرة للخليفة أو السلطان أو كبار قواد الجيش، وأراضي الأوقاف التي كانت تشكل ممولاً أساسيًا للمساجد والمدارس الفقهية، وأراضي الإقطاعيات الخاصة حيث تكون مملوكة لمتنفذي المدن ووجهائها، مع وجود نوع رابع قليل الانتشار تمثّل في الملكية الخاصة للأفراد.[100]
كان الفلاحون يعملون كعبيد أو أقنان لدى ملاك الأراضي ويستقرون في قرى صغيرة تبنى بالقرب منها، ويقتاتون من حصتهم من غلال الأرض؛ وإذا ما احتاجوا شيءًا كانوا يشترونه من الباعة المتوجلين أو أسواق المدن القريبة، فالحياة القروية كانت مستقرة ومزدهرة وكان يعيقها انعدام الأمن خصوصًا خلال عهود ضعف الدولة، إذ تعرضت الإقطاعيات للغزو والتخريب سواءً من دول مجاورة أو من قطاع الطرق. وقد حاولت الدولة خلال عهد القوة السيطرة على الوضع من خلال توجيهات موسى الهادي وهارون الرشيد؛ وخلال فترات انعدام الأمن أخذ سكان القرى بالنزوح نحو المدن ما أثر على الاستقرار الاقتصادي.[171]

سجاد شرقي: كانت حياكة السجاد من المهن والصناعات الرائجة في العصر العباسي.

سوق قصب السكر: عرف العباسيون صناعة السكر منه، وخلال الحملات الصليبية انتقلت الصناعة إلى أوروبا.
أما الصناعة، فكانت بجزء منها تعتمد على الزراعة، كصناعة السكر المستخرج من قصب السكر خصوصًا في مصر والأحواز،[172] أو صناعة المواد الغذائية من مشتقات الحليب وتسويقها في المدن، أما الصناعات الغير معتمدة على الزراعة، فكان هناك الصناعات الحربية كالسيوف أو نسج الحرير والصوف والكتان وأنواع الأقمشة الأخرى وازدهرت بنوع خاص حياكة السجاد في إيران وبلاد الشام وصناعة الزجاج وزخرفته وإنتاجه بأشكال فنية،[173] وصناعة الورق التي انتقلت من الصين إلى بغداد عن طريق سمرقند على يد يحيى البرمكي وفي خلافة هارون الرشيد، والفخاريات والنحاسيات المختلفة، فضلاً عن صناعة السفن.

بقايا سوق الغزال، وتظهر في الصورة مئذنة مسجد الخليفة، والذي يعود بناءه لعهد المكتفي بالله (901 -907)، وقد دعي هذا السوق لاحقًا باسم "البازار".
ويمكن التمييز بين نوعين من المدن، المدن الكبرى كحلب والقاهرة والمدن الأصغر حجمًا وأقل أهمية كطرابلس؛ أما كبرى المدن فكانت بغداد وقد وصل عدد سكانها في القرن التاسع إلى مليون نسمة، لتكون أكبر مدينة في العالم.[174] وكان في المدن الصغرى السوق مختلطًا لجميع أنواع السلع، أما في المدن الكبرى فكان هناك عدة أسواق: كسوق الوراقين وسوق النجارين وسوق الخضار وسواها، ويشرف على كل سوق مجموعة من العمال يشرفون على نظافة السوق، والتأكد من عدم غش التجار بالموازين ويشرفون على الآداب العامة، مع تخصيص أماكن لبيع الخمور وغيرها من منكرات الشريعة الإسلامية. كما نظم عمال الصناعة أنفسهم فيما دعي «الطوائف الصناعية» وهي أشبه بالنقابات في عصرنا الحالي، ومهامها الحفاظ على حقوق العاملين في المهنة، وتشرف على تعليم الراغبين بامتهانها أصول المهنة.[175] ومع تراجع وضع الدولة الاقتصادي ازداد الفقر والفاقة ولم تستطع التكايا المخصصة لرعاية الفقراء من أداء واجباتها كما كانت في السابق، وتشير الأدبيات العباسية بعد القرن التاسع إلى انتشار الفساد والرشوة حتى في سلك القضاء. من أسباب الانهيار الاقتصادي تكلفة الحروب المتواصلة سواءً بين السلاجقة أنفسهم أو مع الصليبيين، وسوى ذلك فقد ضرب القحط والجفاف العراق وبلاد الشام فترة طويلة وزلزلت المنطقة عدة مرات بهزات أرضية، ومحصلة القول فإن ضعف الدولة العباسية كان في أحد شقوقه اقتصاديًا.
مساحة الدولة المترامية الأطراف، وتمركزها في قلب العالم القديم، جعل من أراضيها معبرًا تجاريًا وممرًا لقوافل البضائع بين الشرق الأقصى وأوروبا، ولعلّ طريق الحرير الذي يعود لفترة قبل الميلاد أشهرها وقد اشتهر بتجارة التوابل والعطور، والطريق الجنوبي نحو إفريقيا حيث كان التجار يسوقون بضائعهم مقابل الحصول على الذهب التي اشتهرت به تلك الأصقاع خصوصًا مملكة غانا وقبائل السودان الوثنية، كما نشطت خلال هذا الطريق تجارة الرقيق، وقد ارتبطت الدولة العباسية بعلاقات جيدة مع الممالك المتعاقبة في أثيوبيا حاليًا وأشهرها مملكة النوبة، والتي سمحت للعباسيين التنقيب عن الذهب والزمرد في أراضيها، كما كان هناك طريق تجاري بحري يربط البصرة جنوب العراق بالساحل الإيراني ومنه نحو الهند والصين وكانت الرحلة به تستغرق ستة أشهر. كانت الدولة تفرض أتاوات على القوافل، ما أمّن لها قطعًا نقديًا ثابتًا للخزينة، غير أنه في زمن الخلافة العباسية في القاهرة، اكتشف البرتغاليون رأس الرجاء الصالح، وتحولت مع الاكتشاف الجديد طرق التجارة صوب نصف الكرة الجنوبي، ما عنى آنذاك فقدان الدولة موقعها كمتحكم بالطرق التجارية، ما أدى إلى زيادة الوضع الاقتصادي خلال العهد المملوكي تدهورًا. وعمومًا فإن العهد المملوكي لم يتميز قط بازدهار اقتصادي، ويضرب المؤرخون مثالاً على ذلك بأن سكان مصر وبلاد الشام قد انخفض إلى الثلث عما كان الوضع عليه قبل استلام المماليك للسلطة.[176] يعود ذلك بشكل رئيسي للفساد المالي واحتكار الثروة والصراعات بين المماليك أنفسهم، علمًا أن المماليك قد تمتعوا باستقرار سياسي بعد هزيمة المغول عام 1261 وجلاء الصليبيين عام 1291.
العملة الرسمية هي الدينار، وهو مطبوع من معدني الذهب والفضة، وكان ولاة الأمر يعمدون إلى خلطه بالقليل من النحاس أو البرونز بهدف طباعة كميات أكبر من النقد؛ ونظام الضرائب ممأسس وفق الشريعة الإسلامية من خراج وعشور وزكاة، وفي بعض الأحيان كان السلاطين أو الخلفاء يفرضون ضرائب استثنائية لم تنص عليها الشريعة، ما تسبب باعتراض الفقهاء ومنها المكوس؛[177] وعمومًا فإن الضرائب الإسلامية كانت في الغالب تجبى سنويًا أما المكوس فتجبى شهريًا. أما إنفاق أموال الدولة فكان وفق رؤية السلاطين أو الخلفاء، فعلى الرغم من أن الشريعة قد نظمت طرق الجباية غير أنها لم تنظم طرق الإنفاق، ما ساهم بارتباط طرق الإنفاق بشخصية الحاكم وحاشيته؛ إذا كان مصلحًا ملتزمًا أنفق المال في خدمة الدولة وتحسين مرافقها أو أهمل الأمر كليًا أو جزئيًا، وقد نقل عن نفقات قصور الخلافة بأنها كانت تشكل ثلث واردات الدولة في بعض العهود.
إحدى مصادر الدخل كانت الغزوات، فقد اعتاد العباسيون في عهود القوة تسيير غزوة كل صيف نحو التخوم والثقور، ودعيت هذه الغزوات بالصوائف؛[178] والهدف منها لم يكن توسيع رقعة الدولة بقدر ما كان كسب غنائم وكميات نقد جديدة سواءً عن طرق الصلح بفرض الجزية أو عن طريق الاستيلاء على مقدرات الأماكن المقصودة ونهبها. يمكن ملاحظة ذلك، بأن مساحة الدولة لم تتسع حتى في عهود القوة، كما هو الحال في الدولتين الراشدية والأموية من قبلها والعثمانية من بعدها. مك
المجتمع[عدل]

سوق لتجارة الرقيق في اليمن خلال القرن الثالث عشر.
المجتمع العباسي كان مقسمًا من ناحيتين، الأولى الناحية الديينية حيث يوجد عامة المسلمون ومن ثم الموالي وهم العبيد المعتقين المسلمين، ومن ثم أهل الكتاب وهم عموم رعايا الأديان التي اعترفت بها الشريعة الإسلامية، وأخيرًا الرقيق وهم العبيد والجواري الذين كانوا يباعوا ويشتروا أو يأسروا في عهد الدولة العباسية. أما الناحية الثانية التي صُنف المجتمع خلالها هي الطبقة الاجتماعية على رأسها طبقة الحكام والتي تشمل الخلفاء والأمراء والسلاطين والولاة والوزراء وقادة الجيش، وقد تميزت هذه الحقبة بالثراء والبذخ وتذوق الفنون. أما الطبقة الثانية هي طبقة علماء الدين والفقهاء، الذين كانوا يشكلون أساس النظام القضائي والفقهي والتعليمي بشكل كبير خلال عهود ضعف الدولة. أما الطبقة الثالثة فهي طبقة التجار، وهم بدورهم يقسمون إلى تجار كبار، وغالبًا ما كانت تجارتهم تقوم على الرقيق أو المجوهرات وغيرهما، ولهؤلاء علاقة وثيقة مع طبقة الحكام؛ والتجار الصغار ويندرج في إطارهم الحرفيين والصناع وأرباب المهن، والذين كانوا العصب الرئيس لحياة المدن. إلى جانب الطبقة الرابعة والتي تشمل الفلاحين الأقنان والعبيد، ويضيف بعض الباحثين طبقة أخرى ممثلة بجند الجيش، إذ كانت مهمة الجندية أشبه بمهمة دائمة آنذاك.[179]
كأي مجتمع أهلي، كانت العائلة تعتبر الركيزة الأساس للمجتمع العباسي. يرأس الأسرة كبيرها، ومن حوله زوجاته وأولاده وفي بعض الأحيان أحفاده، إذ إن الأولاد غالبًا ما يتزوجون في منازل آبائهم، ويعملون في مهن آبائهم ما أدى إلى تخصص العائلات بمهنٍ معينة. أما المرأة في العصر العباسي، يمكن تمييز دورها في حقبتين، الحقبة الأولى نرى آثارًا عديدة لها في الحياة العامة فاشتهرت عدد من المغنيات والشاعرات والأديبات بل والسياسيات كخيزران وزبيدة زوجتا هارون الرشيد واللتين ساق لهما الباحث محمد خريس دورًا أساسيًا في «جعل عصر الرشيد أزهى عصور العهد العباسي»،[180] ويرى عدد من الباحثين أن انتشار الخلاعة في قصور الخلفاء وأثرياء المجتمع، قد أثر سلبًا على وضع المرأة الاجتماعي خلال تلك الفترة. وفي المرحلة الثانية انكفأت المرأة من جديد نحو المنزل، وأما على صعيد القصر، فقد برزت عدة نساء أيضًا كزوجة المقتدي «شمس النهار»، على ما روى ابن الأثير، وكذلك زوجة طغرل بك والتي «كانت سديدة الرأي فوّضها زوجها أمره في كثير من الأمور فكانت على أحسن تدبير».[181]
الالتزام بالشريعة ومنكراتها، كان متفاوتًا بدوره، فالمجتمع العباسي أساسًا، مجتمع متدين غير أن الحانات ومجالس السمر العامة ومناطق بيع المشروبات الكحولية كان موجودًا خصوصًا في المدن الكبرى، حيث هناك اختلاط بين مسلمين وغير مسلمين، ممن تبيح شرائعهم الخمر وغيره. يقول الباحث والمفكر المصري قاسم أمين في كتابه «تحرير المرأة» أن عادة النقاب قد ظهرت وانتشرت في العصر العباسي، تأثرًا من المسلمين بزرداشتيي فارس، وأنه انحصر انتشارها بين نساء المدن والطبقات العليا وليس بين الفلاحات في الريف؛ كذلك فقد ندد أمين بعزل النساء في «الحرملك» معتبرًا أنها عادة عباسية أيضًا.[182] آراء أمين ومن تبعه في هذا الرأي تعتبر محمل نقد من الباحثين المسلمين الآخرين الذي يؤكدون أن النقاب قد ظهر منذ عهد النبي محمد، وله ركائز في القرآن والحديث.
كان العلم متاحًا في المساجد والمدارس خلال عهود القوة واحتضنت بغداد عددًا من أشهر جامعات العالم وأقواها، غير أنه خلال عهود الضعف فإن قلة من الناس فقط كانوا يرسلون أولادهم إلى المساجد لتلقن العلوم، وغالبًا ما كان يكتفى بأكبر أبناء الأسرة؛ ولم يكن العلم في المساجد وهو ما يطلق عليه عامة اسم «كتاتيب» يكفي سوى لتحفيظ القرآن وانطلاقًا منه تعلّم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب.
حواش[عدل]
* تعددت ألقاب الخاصة بالرجل الثاني في الدولة العباسية، فهي بدأت «وزير»، ومن ثم تحولت إلى «سلطان» ومكث هذا اللقب مستعملاً زمانًا طويلاً حتى استبدل بلقب «أمير الأمراء» ومن ثم «ملك المشرق والمغرب».
** المسجد الألفي، هو المسجد الذي مضي على بناءه أكثر من ألف عام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الدولة العباسية تابع 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حرب القراصنه :: القسم العام :: المنتدى العام-
انتقل الى: